الخبير الاقتصادي د. هشام محمد علي حسنين: السياسات الحالية فرضت نوعين من السوق!!

حوار: فاطمة رابح

يعتقد دكتور هشام محمد علي حسنين، مدير عام شركة الخيرات العالمية ومستشار لمجموعة من الشركات والمؤسسات الصناعية، أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد تتمثل في عدم الاستقرار الاقتصادي والذي يعني ان المؤشرات الاقتصادية الكلية التي أهمها الناتج المحلي الاجمالي ومعدلات التضخم وسعر الصرف والتوظيف الأمثل للموارد لم تعد قادرة على تحقيق معدلات جيدة لفترات طويلة. كما تحدث باستفاضة عن الوضع الاقتصادي الراهن ورأيه الجريء في الحلول الجذرية من ناحية علمية وعملية واقعيه حسب خبرته في المجال .. ياترى ماذا قال؟

* ماهي السمات الأساسية للاقتصاد السوداني؟

يتصف الاقتصاد السوداني بأنه مزدوج حيث يتكون من قطاعين مزدوجين هما القطاع التقليدي والقطاع الحديث ويتمثل القطاع التقليدي في الزراعة بشقيها النباتي والحيواني والصناعات اليدوية، أما الحديث فيتمثل في استخدام الآلات والمعدات والأجهزة الحديثة في الصناعات المختلفة ابتداء من الصناعات التحويلية الى صناعة البترول ويعتبر الهيكل الاقتصادي ضعيفاً مقارنة مع الهياكل الاقتصادية في الدول المتقدمة بسبب ضعف البنيات الأساسية، وعلى الرغم من أن السودان يتمتع بموارد طبيعية وبشرية وسياحية هائلة الا أن هذه الموارد غير مستغلة الاستغلال الأمثل.

شهد الاقتصاد السوداني طيلة الحقب الماضية تدهوراً اقتصادياً مستمراً أدى الى تدني معدلات النمو الاقتصادي التي وصلت في بعض السنوات الى معدلات سالبة تقابلها معدلات نمو سكاني متزايد مما أدى الى ضعف الأداء الاقتصادي في البلاد وترتب على ذلك تدهور مستمر في المدخرات المحلية والقومية، حيث نجد أن هناك خلل في عمليات التنمية الاقتصادية ناتج عن سوء ادارة وتنظيم التنمية الاقتصادية وعدم مركزية القرارات الاقتصادية.

عدم التنسيق والتكامل بين السياسة المالية والسياسة النقدية أدى الى الفشل في تحقيق أهدافهما وظهور التضخم الركودي وانتشار النشاط الطفيلي والهامشي (تجارة العملة، السمسرة والمضاربات) كذلك فإن سوء السلوك الاستهلاكي أدى لتزايد معدلات الاستهلاك خاصة استهلاك السلع المستوردة (السلع المعمرة كالسيارات والأجهزة الكهربائية) وهذا النوع من الاستهلاك ينتج عنه طلب مشتق يتمثل في زيادة الطلب على الطاقة الكهربائية والمحروقات وازدياد الطلب على قطع الغيار فقد ارتفعت معدلات الاستهلاك من 8% في الستينات الى 12% في الثمانينيات ثم استمرت الزيادة حتى وصلت الى أكثر من 80%.

* كيف تشخص الأزمة الاقتصادية؟

تتمثل الأزمة الاقتصادية في السودان في عدم الاستقرار الاقتصادي الذي يعني ان المؤشرات الاقتصادية الكلية التي أهمها الناتج المحلي الاجمالي ومعدلات التضخم وسعر الصرف والتوظيف الأمثل للموارد لم تعد قادرة على تحقيق معدلات جيدة لفترات طويلة ويتضح ذلك من خلال ارتفاع معدلات التضخم وتدني القيمة الفعلية للجنيه والعجز الكبير في ميزان المدفوعات وعجز الموازنة العامه بسبب الفجوة الكبيرة بين الطلب الكلي والعرض الكلي في مجالات الاقتصاد المختلفة فالطلب المتزايد  على العملات الحرة يتزايد لأسباب عديدة.

* من أهم الأسباب؟

التوقع والتصريحات المتشائمة لبعض الاقتصادين ثم  لأغراض الاستيراد، وهروب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية لأغراض تحويل أرباح الشركات الكبيرة، مثلاً شركات الاتصالات، لاغراض السفر والسياحة والدراسة والعلاج ولأغراض الاكتناز والمحافظة على القيمة الفعلية للثروات بالاضافة الى المضاربات بين السماسرة وتجار العملة بغرض تحقيق الأرباح الكبيرة والسريعة خاصة وان موارد البنوك التجارية ضعيفة ولا تكفي الا لتغطية النذر اليسير من هذه الاحتياجات من خلال السوق الرسمي أو السوق الموازي للعملات فإن جميع هؤلاء وغيرهم يلجأون الى السوق الأسود الذي هو أس البلاء ويعتبر سعر الصرف من أهم المتغيرات الاقتصادية ذات التأثيرات المتبادلة والمتداخلة مع المتغيرات الاقتصادية  الأخرى؛ حيث أن ارتفاع سعر الصرف يؤدي الى ارتفاع التكاليف المحلية وبالتالي زيادة معدلات التضخم الذي يعيق الانتاج في ظل ضعف الانتاج والانتاجية ترتفع تكاليف الانتاج وتضمحل الصادرات وتفقد ميزاتها التفضيلية وتصبح غير قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية فتتدنى معدلات نمو الناتج المحلي الاجمالي الذي ينعكس بدوره على مستويات الدخل وبالتالي على معيشة الناس.

* حدثنا عن عجز الموازنة؟

عجز الموازنة العامة يعني أن الايرادات الحكومية المتمثلة في الضرائب المباشرة والرسوم الجمركية ومواردها الأخرى لاتكفي لتغطية نفقاتها المتزايدة لذلك فإنها تلجأ الى طباعة النقود والتي بدورها تؤدي الى زيادة الكتلة النقدية وبالتالي انخفاض قيمة العمله المحلية ومن ثم زيادة تكاليف الانتاج وزيادة معدلات التضخم والذي هو بدوره يكون خصماً على الناتج المحلي الاجمالي (حلقة مفرغة) ان هذا التداخل والتشابك أدى الى خلط وضياع البوصلة بين كل من أهداف وأدوات السياسة المالية والسياسة النقدية حيث أنهما يمثلان جناحين للاقتصاد لذلك لابد من التنسيق والتكامل بينهما حتى ينطلق الاقتصاد محلقا الى أفاق أرحب.

* برأيك ماهي مشاكل الاقتصاد الأخرى؟

يمكن النظر الى مشاكل الاقتصاد في السودان من ناحيه أخرى وهي مسألة التفاوت الكبير في مستويات الدخل ذلك أنه كنتيجة لسياسة التحرير الاقتصادي وافرازاتها فقد أصبح عدد قليل من المواطنين يستحوذ على الجزء الكبير من الدخل والثروات بينما يقع الكثيرون تحت خط الفقر حوالي 46% حيث أن دخولهم لم تعد كافية لتغطية الحد الأدنى لاحتياجاتهم من السلع والخدمات الأساسية وبالتالي وقوعهم تحت خط الفقر ومؤخراً تبلورت ظاهرة جديدة في الاقتصاد السوداني وهي ظاهرة عدم توفر السيولة واختفائها من البنوك التجارية والجهاز المصرفي وارتبطت بإحجام الناس عن توريد مالديهم من نقد الى حساباتهم في البنوك التجارية مما أضعف قدرة البنوك على تلبية احتياجات الناس من السيولة النقدية وهذه الظاهرة أفرزت نوعاً جديداً من الأسواق يتعامل بالكاش كما أصبح هناك سعران للسلعة الواحدة – سعر منخفض في حالة الدفع النقدي وسعر آخر مرتفع في حالة الدفع بالشيكات الفورية من الحسابات داخل الجهاز المصرفي الى جانب سعر آخر أكثر ارتفاعاً يكون فيه الدفع بالشيكات الآجلة ثم البيع بأسعار متدنية أو ما يعرف ببيع الكسر أو العينة وهذا النوع من الأسواق نشأ نتيجة لأن التكييف القانوني للشيكات الفورية يجعلها أداة وفاء للالتزامات مثلها مثل النقود حيث أن لها تغطية نقدية في البنك لحظة اصدارها وتنطبق عليها أحكام القانون الجنائي في حالة ارتدادها أما الشيكات الآجلة فهي أداة ائتمان مثلها مثل الكمبيالية حيث أنه لاتوجد لها تغطية نقدية في البنك لحظة أصدارها وبالرغم من ذلك تطبق عليها أحكام القانون الجنائي ولتصحيح هذا الوضع فأنني أرى انه من الانسب أن يعاد النظر في التكييف القانوني للشيكات الآجلة واخضاعها للقانون المدني.

* ماذا ترى في هذه الحالة؟

أرى أن تطبيق أحكام القانون الجنائي على الشيكات الآجلة يجعلها في حكم الشيكات الفورية التي هي في حكم النقود مما يساهم في استخدامها في عمليات الشراء والبيع والمضاربات مما يزيد القاعدة النقدية وعرض النقود ترهلاً وبالتالي فإنها تغذي ظاهرة التضخم بصورة كبيرة وغير محدودة.

* كيف تنظر الى السياسات الاقتصادية الأخيرة؟

مع موازنة عام 2018م تم رفع سعر الصرف الرسمي من 6,9 جنيه الى 18 جنيه ومن الواضح أن الهدف من هذا الاجراء كان لرفع الدعم جزئياً عن بعض السلع الأساسية وزيادة الحصيلة الجمركية والضريبية من السلع المستوردة ومن الواضح أن هذا الأجراء لم يكن موفقاً حيث أدى الى احجام الكثير من المستوردين عن الاستيراد وبالتالي انخفضت الحصيلة الجمركية بدلاً عن زيادتها كما أدى هذا الاجراء الى المزيد من عدم الاستقرار وزيادة معدلات التضخم بصورة كبيرة حيث وصل مؤخراً الى 66% كما قاد الى تدهور العملة المحلية حيث انتقل سعر الصرف في السوق الأسود من 23 جنيه الى 48 جنيه وصدرت السياسات الاقتصادية الأخيرة والتي بموجبها كونت الادارة الاقتصادية في البلاد لجنة صناع السوق التي حددت بدورها سعر الصرف الجديد للجنيه السوداني في السوق الموازي 47,50 جنيه مقابل الدولار مع بعض الاجراءات الأخرى المتعلقة بتحديد أولويات الاستيراد وترشيدها كذلك الحال بالنسبة للسياسات التمويلية وسياسات الصادر وشراء الذهب وكنت أتمنى لو أن الادارة الاقتصادية قد قامت بدراسة تطبيقية قياسية لأثر تحريك سعر الصرف على المتغيرات الاقتصادية الاخرى بدلا عن التجريب ثم الاضطرار للتدخل باجراءات ادارية غير محسوبة العواقب اما بالنسبة لسياسات الاستيراد مثلاً فإن مسألة تحديد الأولويات مسألة جيدة خاصة ان السلع الكمالية يستفيد منها أصحاب الدخول العالية وهي تمثل ضغطاً على ميزان المدفوعات وسعر الصرف والذي بدوره ينعكس على السلع الأساسية مثل القمح والدقيق والادوية والتي تمس حياة الناس كافة خاصة أصحاب الدخول المحددة بمعنى آخر أن أصحاب الدخول العالية ينعمون باستهلاكهم للسلع الكمالية التي ترفع سعر الصرف والذي بدوره يرفع من تكلفة استيراد الحاجات الأساسية والتي يحتاجها أصحاب الدخل المحدود وهم الأكثرية.

* وماذا عن سياسات رفع الانتاج والانتاجية؟

هذه المسألة ليست نداءات وشعارات فهي تتطلب مجموعة من التدابير وتشمل وضع الخطط والحلول الآنية الظرفية  والتي تتمثل في –الاجراءات الادارية والتشريعات القانونية واقرار الحوافز والامتيازات والضمانات للمستثمرين المحليين والأجانب ثم خطط وحلول متوسطة الأجل تتعلق بتهيأة البيئة الانتاجية وتتمثل في البدء بتنزيل وتطبيق الخطط والحلول الآنية الآنفة الذكر الى أرض الواقع وقبل كل هذا لابد من وضع الخطط والحلول الهيكلية طويلة الأجل المتعلقة بتحديد الأهداف الاستراتيجية ثم دعم وتطوير البنية التحتية من طرف وطاقة وسدود وقنوات ري وتكنلوجيا وتنمية للموارد البشرية حتى تتحقق الأهداف الاستراتيجية على المدى الطويل ومن ثم ننعم بالرخاء والرفاهية.

* كيف تفسر مسألة احجام المواطنين عن توريد مالديهم من سيولة الى حساباتهم في المصارف؟

هناك أسباب عديدة أهمها أن أسواق التجزئة والمواصلات يتم فيها التعامل بالنقد كذلك بعض الممارسات غير القانونية كالتعامل في النقد الأجنبي وتهريب الذهب لتحقيق الأرباح السريعة من بعض المواطنين تجعلهم يحتفظون بالكاش لتعاملاتهم حيث يصعب تتبعهم ومحاربتهم من خلال التعامل بالكاش.

* كيف تؤثر شهادات بريق الخاصة بصندوق الذهب الاستثماري على الاقتصاد؟

شهادات بريق الاستثمارية هي مشروع جديد الهدف منه توفير التمويل لمشتروات الذهب وفقاً للأسعار العالمية من المنتجين والمتعاملين في هذا المجال بالنسبة للمستثمرين في هذه الشهادات فإنها تضمن لهم أرباح جيدة بدرجة عالية من الأمان كما أنه سوف يتم شراء الذهب من المنتجين وتصديره بواسطة الحكومة أو بواسطة البنك المركزي مما يدعم ميزان المدفوعات ويساهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

* حدثنا عن تحرير سعر الصرف؟

سعر الصرف هو سعر العملة المحلية مقابل العملة الأجنبية أو سعر العملة الأجنبية مقابل العملة  المحلية وهو يلعب دوراً مهما في تحسين والحفاظ على القدرة التنافسية الخارجية للبلد في مجال التجارة الخارجية ويمثل أداة ربط بين أسعار السلع في الاقتصاد المحلي وأسعارها في السوق العالمي.

* حدثنا عن رؤيتك لكيفية الخروج من الازمة الاقتصادية؟

دعم المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي بالخبرات والكوادر العلمية المؤهلة حيث يصبح قادراً على القيام بدوره التخطيطي كمجلس للمرجعيات الفكرية(Think Tank)  كذلك منحه من الصلاحيات مما يجعل توصياته وخططه ملزمة للجهاز التنفيذي للدولة والاستمرار في تسوية النزاعات وإزالة التوترات في المناطق المختلفة وذلك ببذل المزيد من الجهود السياسية ونشر الوعي الوطني والمشاركة السياسية والاقتصادية وتبني استراتيجية التنمية المتوازنة.

ترتيب أولويات النفاق العام بأن ينصب أولاً على تطوير الموارد البشرية ورفع قدراتها لدورها الفعال في العملية التنموية.

العمل على خلق بيئة جاذبة للاستثمار للتوسع في منشآت البنى النحتية واصدار القوانين والتشريعات اللازمة وتقديم التسهيلات والحوافز والامتيازات والضمانات للمستثمرين المحليين والاجانب، مع ضرورة ترشيد الدعم وتوجيهه بصورة مباشرة للشرائح الضعيفة المستهدفة تفادياً للآثار السلبية لسياسة التحرير.

التنسيق بين الجهات الرقابية المختلفة ومنع التجاوزات ومحاربة المضاربات والسوق الاسود لتجارة العملة والاحتكارات في السوق والعمل على توفير السلع الضرورية باسعار معقولة.

ضرورة استمرار العمل في توسيع المظلة الضريبية وزيادة الايرادات العامة وتقليل عجز الموازنة والاستمرار في مكافحة  التجنيب والتوسع في التحصيل والدفع الالكتروني.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *