خط الاستواء/ عبد الله الشيخ (قِف تأمّل)..!

هكذا الدنيا، لا يستطيع تغيير إيقاعها الأقوياء، ولم يتمكن من تفسير أحوالها الحكماء، لذلك عاش أغلبهم مع الجهلاء، سواءً بسواء.. (ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ، وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ.. وَالنّاسُ قَد نَبَذوا الحِفاظَ فمُطلَقٌ، يَنسَى الذي يُولى وَعَافٍ يَنْدَمُ).
تأمل حكمة الملك الدّيان في وجوه العابرين. بينهم من يكدح طول اليوم ولا يجد ما يستر عورته، ومنهم من يسترزق قوت عام كامل بمهاتفة يتيمة بينهم من (يبلع) الحرام غير عابيء باليوم الذي تدور فيه الدائرة، ومنهم من يتعفف، وبينهم المُقتصد، وكلهم على سفرٍ.
وفي نهاية الرحلة، يُحشرون فُرادى بعد أن يغادروا هذه الطرقات خلسةً، ليأتي من بعدهم قومٌ آخرون.
تأمل حتى لا تغرّنكَ الحية الدنيا، ولا يغرّنكَ بالله الغَرور.. كل زول فى هذه الدنيا (يوّنِسو غردو).. كذا يقول المثل.. كل زول يعجبو الصارَو.. فصاحب السياسة، يقتات السياسة ِمن سوق طماطِم، والفنان ملك الأحبار والألوان، يستخرج من درب النمل لوحاته، عندما ينعدم الوقود في الطرقات، فقد تنادي على سيد الكارو، ويرفض أن يأتي، لكن إيصال المرور إذا قطعه العسكري، فقد وقعت الفأس في الرأس.
إذا وقعت عينك على قصر، فتأمل: كم شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه، وكم من معركة دارت من أجل لحظة بريق زائف. كم تلالٍ من الأرواح صعدت إلى بارئها، وكم منها رُدَّ الى أسفلَ سافلين.. من أجل ماذا حدث هذا، و في نهاية الأمر لا تجد أثراً يُذكر لمن سكنوا ولا لمن قطنوا.
لا أثر فوق الرمل للعابرين، هذا الزمان وحده، قام بتفريقْ كل المجالس، فلِم كان العِراك؟. أمِنْ أجل أيامٍ شحيحة قبيل صافرة الرحيل في هذه الحيطان الحجرية؟
إن كنت طروباً، فتأمل حال أخيك، الذي لن تجد من رحيق ذكرياته، غير سهره و وحراسته للنجوم فتأمل، كيف تكون الرحلة وكيف تكون نهايتها، كم من صاحب عقلٍ ضاع أو أضاعته هذه المدينة ثلاثية الصدى، كان معاوية نور عقلاً مستنيراً، كان ذو فعالية متقدة، لكنه مات تحت سياط الفقراء.. كان أديباً وغارقاُ في الأدب، فهل كان يستحق كل ذلك؟.
كيف تفعل الشطارة هكذا بالشطار.. هل مصيرهم هكذا، ودائماً؟. عندما تستظل بواحة المدينة، تأمل عرض غابة الأسمنت التي بناها إنسان لا يتعدى طوله سنتميترات.. هذه الغابة الفارِهة لم تكن الأثر الأول في المكان، قبلها كان سوقاً، وقبلها كانت حدائق التُرك، وقبلها… كانت هناك لافتة في المكان تقول إن الميدان يتبع للأمم المتحدة، فلا بقيت الأمم فيه، ولا اللافتة.
وإذا مررت تحت أشجار النيم، في الخرطوم القديمة فأعلم أن شبكة الصرف الصحي التي لا يُخفى عليك حالها، قد حُفِرت في زمان الإنجليز، ثم طفح بها الكيل، ولم تشأ أي جهة صيانتها… قف تأمل، فهذه هي الخرطوم، مدينة ثلاثية الأبعاد، رباعية الصدى!.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *