حاطب ليل / د.عبداللطيف البوني … تسعيرة مراكبية

(1)

القطن بعد أن مات وشُيِّعَتْ جنازته، وذلك بخروجه من صادرات البلاد؛ عاد مرَّة أُخرى قبل عامين. لم يكن العائد (بعّاتياً) بل مخلوقاً جديداً؛ فالذي عاد هو القطن المُحوَّر وراثيّاً، هذا من حيث الجوهر، أما من ناحية إجرائية، فقد عاد بعلاقات جديدة، إذ دخلت شركات القطاع الخاص المُموَّلة من الدولة، في شراكة مع المزارعين، وهذا ما اصطُلح عليه بالزراعة التعاقدية، علماً بأن عدداً كبيراً من المُزارعين يعتمد على التمويل الذاتي؛ فالمُهمُّ في الأمر أن الدولة خرجت من تكاليف القطن، وفي نفس الوقت جَنَتْ دولاراً من الصادر، وعملةً محليةً من الضريبة المُباشرة؛ الثاني أهمية أن (الشغلانة ضربت) – أي نجحت -؛ ففي الموسم الماضي كان الصادر فوق المليون قنطار، وهذا العام قد يصل الضعف، وانبسط شركاء الإنتاج (للآخر) خاصة المزارعين.

(2)

والبلاد مُنتشيةٌ بهذه الطفرة القطنية الجديدة، بدأت تظهر لنا العقبات التي قد تكبح ذلك التطوُّر. ففيما يتعلق بالقطن المحور وهو قطن حساس جداً، لابد من التعامل معه بحذر واي تفريط سوف يجعل منه كارثة، ولعل هذا ما حدث في بعض المناطق، حيث تمَّت زراعة تقاوى غير مُعتمدة، فبعض المزارعين زرع بتقاوى مجهولة المصدر، فكانت النتيجة مرض مساحات مُعتبرة في بعض الأقسام، قال مزارعوها إنهم خرجوا من هذا الموسم ابطهم والنجم (بين يديَّ رسالة دامعة من المزارع/ الطيب الشيخ بخيت/ مكتب تورس/ قسم وادي شعير)، وهنا يجب تدخل الدولة بصورة عاجلة، ليس للوقاية فحسب، بل يجب أن تفرض سيطرتها على التقاوى، لتمنع فوضاها، فهل تسمعنا إدارة التقاوى بوازرة الزراعة؟

(3)

أما علاقة الإنتاج الجديدة، فهي الأخرى ظهرت فيها بعض البثور، فكما ذكرنا هنا قبل يومين، فإن بعض الشركات بدأت (تلعب بديلها)، فأخلّت بواجبات الشراكة، فبعضها حجب السلفيات المتفق عليها، وبعضها رفع يده من بعض العمليات، بحجة أنها من واجبات المزارع كترحيل القطن وبعضها نقص المدخلات المتفق عليها. من جانب آخر، بعض المزارعين أخلَّ بواجبات الشراكة، فبعضهم باع قطنه في السوق قبل أن يُسدِّد ما عليه للشركة التي موَّلته. هذا لا ينفي أن بعض الشركات وكثيراً من المزارعين (ماشين عِدل) –بكسر العين-؛ ولكن هذه التجاوزات الصغيرة إذا تراكمت سوف تُطيح بالتجربة.

(5)

مع تباشير هذا الموسم المُبشِّر، اتَّضح أن أسعار القطن المُتَّفق عليها لا تتناسب مع الارتفاع الذي طرأ على سعر الدولار، ولا مع ارتفاع الأسعار العالمية للقطن، ولا مع المدخلات، فصرخ بعض المزارعين مطالبين بالإنصاف. وعلى حسب علمي، فإن هناك أكثر من شركة وفقت أوضاعها مع شركائها من المزارعين، ولكن فجأة دون مُقدِّمات صدر قرارٌ منسوبٌ لحكومة ولاية الجزيرة، يقول إن سعر القنطار من القطن ألفان وثمانمائة جنيه، وهو سعر مناسب جداً مع المزارع، ولكن المشكلة أن هذه الحكومة لا دخل لها في زراعة القطن، وليست لديها آلية لتنفيذ هذا القرار، كما أنه ليس لها الولاية على قطن السودان، فالقطن المزروع خارج الجزيرة أكثر من ذلك الذي في الجزيرة، فهذا القرار قرار مجاني لا يفيد التجربة في شيء إنما يُرْبكها.

(5)

يُمكن للحكومة الاتحادية، أن تتدخَّل وتُعلن سعر تركيز لقنطار القطن، وتكون مُلزمة به، وإذا تواطأ المشترون ورفضوه، فهل حكومة الولاية لديها أموالٌ للشراء من المزارعين؟ كان يمكن لحكومة الولاية أن تتدخل من خلال مجلس الإدارة لأن الوالي هو الرئيس المُناوب ومعه ممثلون للمزارعين، فيتفاهم المجلس مع الشركات بعد أن (يقرا السوق)، كان يمكن لحكومة الولاية أن تقترح آلية من كل الشركاء لوضع سعر تأشيري كان يمكن.. كان يمكن.. ولكن مَن يخبر مَن؟

 

السوداني

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *