جزيرة مقرات.. عروس النيل الملهمة

أ. د. هشام عباس

الذهاب فيما مضي إلى مدينة (أبوحمد) شمال السودان كان ضرباً من ضروب العناء، فقبل إنشاء(طريق بربر- أبوحمد) كان على المسافر إلى هنالك أن يتزود بالمياه والطعام ويختبر سيارته ومدى مقدرتها على مقاومة الرمال وقبل ذلك كان عليه أن يبحث عن خبير يعرف مجاهل هذه الصحراء القاسية التي كم أتعبت الطائرات وسيارات الشرطة لإنقاذ التائهين فيها ومازالت بذاكرتي تلكم النداءات التي نطلقها عبر إذاعة عطبرة نناشد فيها المواطنين البحث مع السلطات عن تائهين في صحراء (أبوحمد)، وستكون المرحلة الثانية تكليف طائرة عمودية من الخرطوم، فكم من شهداء بعضهم وجدت (جثامينهم) وبعضهم أصبحت قبورهم تلال الرمال التي تزحف كما الأمواج.

ومازالت بذاكرتي كيف أن كل ولاية نهر النيل في نهاية التسعينات كانت تبحث عن محافظ (أبوحمد) الأسبق هاشم الحسن نصر الدين الذي تاه بعربته وسط الصحراء، والعناية الإلهية أنقذته علي يد أحد الرعاة بعد يوم كامل قضاه دون ماء وطعام هو ومن معه.. وقد شهدت تلكم المعانقة الحارة التي تمت بين المحافظ والراعي الشهم عندما التقيا صدفة في واحدة من اللقاءات بمنطقة (مبيريكة) وهنا شعرت أن هذه هي الحسنة الوحيدة لهذه الصحراء.

الآن انتهت هذه المعاناة وأزدان شارع (أبوحمد) بالكفتريات وأصبحت الباصات الفاخرة تمرح في هذا الطريق وانعكس ذلك علي إنسان (أبوحمد) وزادت أهمية هذا الطريق بعد نشاط التعدين الأهلي في تلكم المناطق ولكن ما لاحظته في زيارتي الآخيرة للمنطقة أن الطريق يحتاج الى اعادة تأهيل بما يتسق مع الاستخدام خاصة بعد نشاط التعدين ولا شك أن الصديق العزيز معتمد أبو حمد عبد العال خراساني يضع ذلك في برامج عمله التنفيذي، أكتب ذلك وآمل أن تنعكس مساقط التنمية على (جزيرة مقرات ) عروس أبوحمد ومخزن جمالها.. مقرات.. التي تقول بعض

الروايات إنها تعني باللغة النوبية(الكلب الراقد) لأن شكل جغرافيتها يؤمي بهذا المنظر.. بينما تقول بعض الروايات أن مقرات معناها( مقر الصالحين) وتحرفت اختصارا إلي مقرات.. لم أكن أتخيل أن طول جزيرة مقرات (35) كيلومتر وأن أقصى عرض لها(9) كيلومتر وأن بها أكثر من عشرين لجنة شعبية، ولم يقفز إلى ذهني أن الجزيرة بها كل هذه التضاريس الجغرافية من رمال وصحراء وجبال وأراضي خصبة زراعية وغير ذلك.. الجزيرة الآن تعاني اهمال الخدمات الضرورية رغم جمالها الأخاذ ورغم معطيات الجذب من ماء وخير وأراضي خصبة.

لقد عرفت جزيرة مقرات التعليم منذ أمد بعيد حيث تمّ تأسيس مدرسة مقرات الأولية في العام 1918م وكان من الطبيعي أن يكون أول سوداني ينال درجة الدكتوراه من هذه الجزيرة وهو الدكتور مكي شبيكة وجاء من مقرات البروفسير عبد الله أحمد عبد الله الأكاديمي والسياسي والإداري المعروف والدكتور حافظ الشاذلي عثمان وهو أول من تخصص في طب الأطفال في السودان وللمؤسسات العسكرية قدمت مقرات اللواء سيد أحمد حسين علي الكرار واللواء تاج السر مصطفي خير الله وقدمت السياسي المعروف صلاح الدين محمد أحمد كرار ونذكر من أبناء مقرات وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر الدكتور ياسر أحمد إبراهيم وزير الصحة الأسبق بنهر النيل والدكتور المرحوم معتصم عبد الرحيم نقيب المعلمين ووكيل وزارة التربية والتعليم الأسبق وأقدم هنا مناشدة لأستاذنا ذاكرة مقرات محمد عثمان الخطيب للتوثيق لهذه الجزيرة واصدار كتاب عنها وللأخ عبد العال نقول إن هذه الجزيرة يمكن أن تكون بقليل من الخدمات من أكبر مناطق الجذب السياحي بالسودان.

إن مقرات جديرة بأن تكون منتجع سياحي كبير لما حباها الله من مياه وجمال وخضرة وسحر للنيل عند تلك المنطقة يشعرك بالهدوء والراحة والاطمئنان..
مقرات.. كم أنت ساحرة.

سودان برس

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *