علي الكرار هاشم / أدباء السودان في الخليج العربي .. التأثير والتأثر

لم يكن الخليج العربي بعيداً عن السودان في يوم من الأيام بل ظلت هناك وشائج وروابط عديدة تربط بين البلاد والشعوب واستمرت هذه الصلات متصلة تزيدها علاقات الشعوب قرباً ووصلاً، فاللسان واحد والدين واحد إضافة لمصالح الحياة وتبادل المنافع من تجارة وصناعة ورحلات الحج والعمرة وطلاب العلم وغير ذلك مما يقرب الشقة. وقد استمر هذا الوصل حتى ظهور موجات الاغتراب الأخيرة بصورتها الحالية والتي بدأت بقوة منذ سبعينيات القرن الماضي واستمرت حتى يومنا الحاضر. ولعل اصدق تعبير لهذا هو ما قاله الشاعر السوداني الكبير الطيب العباسي الذي قضى في الخليج ردحاً من الزمن إذ يقول في قصيدته العصماء (خواطر مغترب في عيد الاستقلال)..

وجئت إلى الخليج وكان زادي شعوري أنه إحدى بلادي

وفارقت الأحبة عن يقين بأنهم هنا رغم البُعادِ

فمن أهلي سوى قوم أراهم يعادون العدو كما أعادي

ويعتنقون ديناً وهو ديني وينطق كلهم ضاداً كضادي

ويجمعني بهم نسب عريق يوحد بيننا من قبل عادِ

نزلت بأرضهم فحللتُ سهلاً وكم لهم عليَّ من الأيادي

ولست بمنكرٍ لهم جميلاً كما قد أنكرت هندٌ سوادي

ولستُ بمادحٍ كلا فإني أعاف البيع في سوقِ الكسادِ

إن الاغتراب في حد ذاته حالة تستصحب معها العديد من المشاعر والأحاسيس التي تؤثر على نفسية المغترب، فالبعد عن الوطن بترابه وبأهله والبعد عن الأسرة والمحيط الصغير والذكريات وكل ما يتركه المغترب خلف ظهره يجعله مشدوداً دائماً نحو وطنه ومرتبطاً به وان كانت الصورة التي تجعل من الاغتراب والسفر أمراً شاقاً وصعباً قد بدأت تخبو مع ظهور وسائل التواصل وإفرازات العولمة التي قربت المسافات لكن يظل الأثر الكبير باقياً في النفوس.

لقد عمت موجة الاغتراب كل شرائح المجتمع وكان جمهور الأدباء والمثقفين وسط هذا الخضم حيث حملوا مشاعرهم وركبوا قطار الغربة ليستمر الإبداع لكن البيئة قد تغيرت والظروف المحيطة تبدلت إلا أن ما يحمد للغربة على مستوى الأدباء إنها تعطيهم بقدر ما تأخذ منهم ذلك أن توفر المكتبات والمنتديات الأمسيات والأندية والتلاقي وكل ذلك يخدم قضية الأدب ويوفر للأديب المادة كما يساعده في تطوير نفسه وملكاته وإذا تتبعنا مسيرة بعض النماذج فسوف نجد مصداق هذا جلياً. وهاهو الشاعر الطيب محمد سعيد العباسي يسافر من السودان لليمن فما لبث أن قال وهو في طريق السفر:

قدمت من وطني أسعى إلى وطني * كالطيرِ من فننٍ قد حطَّ في فننِ

إن يكُ دمُ ترهاقا سرى بدمي * فإني ابن سيف ابن ذي يزنِ

كان في مقدمة الذين تواصلوا مع أدباء الخليج الروائي السوداني العالمي الطيب صالح وبرغم أنه لم يغترب بالخليج بصفة دائمة لكن امتدت رحلاته وحضوره المستمر لمهرجان الجنادرية وقد عرف الطيب بمحبته للشعر والشعراء والأدب عامة وهذا ما جعل علاقاته تتوثق مع مجموعة من أدباء السعودية وعلى رأسهم صديقه الأديب التويجري وقد ظهر هذا الأثر في كتابات الطيب صالح ومقالاته التي  تتبع فيها آثار الشعراء العرب بمنطقة نجد على وجه الخصوص وكأنه يحقق معلوماته على أرض الواقع ثم ظهرت كوكبة أخرى من المبدعين قاد ركبهم الدكتور محمد إبراهيم الشوش والشاعر النور عثمان أبكر والمؤرخ الشاعر ضرار صالح ضرار والشاعر حسين بازرعه ولفيف من الأدباء ضمن قطاع أساتذة الجامعات والإعلاميين وغيرهم وسوف نستعرض بعض الأمثلة والتي ربما تحتاج إلى  بحث أعمق مستقبلاً.

القاص والروائي الكبير إبراهيم اسحق والذي عمل بالرياض يحدثنا عنه الإعلامي والأديب محمد التجاني قش وهو من مجايليه فيقول بأن إبراهيم اسحق ظهرت كتبه الأولي مثل (أعمال الليل) و(البلده) وقد كتبها بلهجة إقليم دارفور وهي لهجة محلية قحة تصعب على بعض السودانيين لكن بعد اطلاعه على القصة القصيرة في الخليج عاد للكتابة بلغة الوسط السوداني وهي لغة الجمهور العريض إضافة لان عمل اسحق بالترجمة وتواصله المستمر مع أدباء الخليج أفاده وترك بصمته على جودة أعماله.

وفي ذات السياق نجد الروائية بثينة خضر مكي وهي خريجة جامعة الملك عبد العزيز وقد رافقت زوجها في دول الخليج واتصلت بكثير من أدباء الخليج في المهرجانات والصوالين وكل هذا الاحتكاك جعلها تعكف على التراث السوداني تتعمق فيه وتستلهم منه أعمالها التي لا زالت تتواصل ومثلها الكاتبة ملكة الفاضل في عمان  وقد تحولت من الشعر إلى الرواية في حنكة واقتدار.

أما الأديب والشاعر د. إبراهيم القرشي والذي عمل بجامعة الملك سعود فقد كان له القدح المعلى في كتابة الشعر والبحوث والمقالات والمحاضرات ويحضرني هنا كتابه الرائع (عادات سودانية أصولها عربية) وهو بحث قيم يستهدف العديد من موروثات السودانيين وتراثهم لكنى أكاد أجزم بأن الكتاب نتاج حوار بينه وبين أبناء الخليج ونعرف أن حوارات الهوية تأخذ حظها بين المثقفين دائماً الشيء الذي جعله يربط أصول هذه العادات بعادات عربية موغلة في القدم.

لا ننسى الشاعر الدبلوماسي د. خالد فتح الرحمن وهو خريج جامعة الملك سعود وظل يكتب الشعر والمقالات وظهرت له العديد من الكتب من ضمنها كتابه الجميل (حقائب الرياح) وهناك الشاعر الطبيب الشهير المعز عمر بخيت بالبحرين.

أيضا ظهر الكاتب جعفر عباس كواحد من أصحاب المقال الساخر وقد انتشرت مقالات (أبو الجعافر) عبر العديد من الصحف والمجلات الخليجية وبرغم أن جعفر عباس هو كاتب عريق لكن لا بد أن بيئة الخليج قد أثرت عليه وهو يتحدث عن زوجته وحياته اليومية بنوع من الصراحة والوضوح الذي لا يميل إليه السوداني عادة لكنه يتوفر لدى إنسان الخليج، فاستفاد جعفر منذ هذه المزية ليبدع الكثير من الأعمال على هذا النمط.

ظهر من شعراء الأغنية السودانية سيف الدين الدسوقى وقد كتب بالسعودية واحدة من أجمل الأغاني السودانية (مافي حتى رسالة واحدة بيها اصبر شويه) ثم الشاعر السر عثمان الطيب ورفيقيه محمد سعيد دفع الله وحِمّيد، وكان أيضاً الشاعر الغنائي العملاق اسحق الحلنقي الذي يتواصل عطاؤه دائماً وظهرت أعداد كبيرة من الفنانين والعازفين ممن ظهر إبداعهم بالخليج وأجادوا في صناعتهم.

من جيل الشباب الشاعر محمد عبد الباري صاحب القصيدة الشهيرة (بعيون زرقاء اليمامة) وهو من الجيل الذي ولد وتربى بالرياض وهناك أيضاً المنشد المعروف الشاب محمد عباس وهو معروف على نطاق واسع وسط الشباب السعودي وقد ظهر بلونية تختلف تماماً عن طريقة الإنشاد السوداني مما يجعلنا نزعم بأن بصمة الخليج واضحة عليه وعلى زميله الشاعر عبد الباري والمستمع لهما يلحظ مخارج الحروف والأسلوب الذي يختلف عن الطريقة الشائعة في الخطاب بالشارع السوداني.

على الصعيد الآخر لا ننسى الشاعر الشاب علي الفحل وهو من أهل الهمم والنشاط الملحوظ وقد ظل في (منتدى أبناء الوطن الثقافي) يتفرد باستضافة الأدباء السعوديين من الجنسين وكم سعدنا ونحن نستمع للشعراء د. تهاني التميمي – شواهق نجد- أشجان نجد- مريم العتيبي- حمد الرشيدي- سعد الغريبي-علي العايد- مفرح الشقيقي- والفنانة نازك التميمي والناقد د. صالح الورثان الذين عطروا أمسيات المنتدى لأكثر من احتفال.

ومن المفارقات الغريبة وأن الباحث عبر اليوتيوب سوف يجد الشاب السعودي (الراقي ود الاسد) وهو يحتل مكانة متميزة وسط شعراء أدب (الدوبيت) السودانيين حتى لكأنك لا تعرف هويته بينهم وهذه الأسماء اللامعة إضافة لما تجده من حفاوة وسط السودانيين فهي تعطي دفعاً في التواصل وتجسير العلاقات.

ما نستطيع أن نؤكده هو أن حركة الاغتراب وقد استغرقت عدداً مقدراً من الأدباء والمثقفين السودانيين كان لهذا أثر كبير انعكس في الإنتاج الأدبي بصورة ملحوظة وترك بصمة واضحة قد تظهر في جودة العمل وقد تبدو في غزارة الإنتاج وقد تظهر في الشواهد والأماكن التي يستلهم منها الكاتب وهذا ما نعنيه بتلاقح الأفكار والمقاربة الثقافية.

لا شك أن هناك أسماء سودانية كثيرة لها بصمات واضحة وأثر بين في نقل الأدب والثقافة السودانية بمنطقة الخليج وما ذكر لم يكن سوى نماذج جاءت في سياق العصف الذهني لحاجة المقال حتى لا نتهم في ما لم نذكره من أسماء خالدة نعلم قدرها وفضلها.

ختاماً التحية للأخ الإعلامي الكبير الشاب المجد والمجتهد الأستاذ علي الصويلح وهو من خيرة الإعلاميين السعوديين ظل يتواصل معنا ويستكتبنا في العديد من المواضيع التي يظن بنا خيراً في فهمها وما هذا إلا من طيب معدنه لعلنا أن نكون عند حسن الظن.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *