قطوف: د. خالد لورد .. الحوار الوطني يفضي إلى سودان يسع الجميع (5/3)

من أراد التغيير فليعد نفسه له.. وليمسك بزمام المبادرة..

أمطرني أحد الأصدقاء بعدد من الأسئلة والاستفسارات بعد أن قراء مقالي رقم اثنين حول الحوار الوطني والذي أوردت فيه بعض ما قاله الرئيس اليوغندي موسفيني في كلمته أمام الجلسة التأسيسة الختامية للحوار الوطني يوم بقاعة الصداقة والذي ركز فيه على “أكذوبة الهوية” لأنها لن تشيد مشفى، ولن تبني مدرسة، ولن تقيم مصنعا.. بل على العكس تماما.. فهي هدامة وليس بناءة!!! .

طبيعة الأسئلة كانت تتعلق بالحكومة وحزب المؤتمر الوطني ومزاعم الفساد وأموال النفط وغيره. ورغم أنني تواصلت معه في مواضيع أخرى إلا أن صاحبي أخذ في خاطره وقال لي لما تجاهلت أسئلتي ولم ترد عليها، فأوضحت له أن المقال ركز على موضوع الحوار ليس الحكومة..

أصر صاحبي على مواصلة النقاش حول الحكومة ووجه لي سؤالا مباشرا: لقد سبق لك أن عشت سنين في أوروبا ودرست بجامعاتها.. ألا ترى الفارق بين أوروبا والسودان؟

لماذا هم هكذا، تقدما ورقيا، ونحن ليسوا كذلك؟
لماذا نحن متخلفون وهم
متقدمون؟
لماذا نحن فقراء وهم أثرياء؟ وهلمجرا…

قلت في نفسي إن الأسئلة التي يطرحها صاحبي مشروعة.. وقد تكون بأذهان الكثيرين.. لكن ولنكون مثل الدول المتقدمة علينا أن نتعاون، ولكي نتعاون علينا أن نتعارف، ونتجاوز ونتسامح، وأن نتشارك ونتفق على رسم معالم وعلامات الطريق المفضي بنا إلى هناك حيث نريد أن نكون مع مصاف الدول والأمم.

أحسب أن الحكم في كل بقاع العالم وخاصة فيما يسمى بالدول النامية، والسودان على وجه الخصوص، هو جهد بشري ..

وبالتالي قابل للصواب والخطأ.. وللتباين الكبير
في كيفية تطبيق شرع الله، إذ أن آخر تجربة في هذا المجال بعيدة في مدتها الزمني، كما أنها كانت في أوقات مختلفة كما ونوعا، وزمانا ومكانا!!!

تجربة الحكم في السودان مرت بمراحل وظروف مختلفة.. ولا تخلوا أي تجربة من إيجابيات وسلبيات.. ومن مؤيدين لها ومعارضين .. وهكذا هو حال الدنيا وهكذا
هو حال البشر.. لن تستطيع أن تنال رضائهم جميعا.. فحتي الرسل المؤيدين من فوق سبع سماوات ندر أن يوفقوا إلى ذلك.. كيف وقد تحدث البشر حتى في الله الواحد الأحد .. فقالوا ثالث ثلاثة!!!!

الشعوب الناجحة والمتقدمة لم تصنع أمجادها صدفة.. ولم تصنعها بالتجمد والتمترس عند نقاط الخلاف، والوقوف عند السلبيات.. ولا بالرغبة في التشفي والنيل من الآخر.. إن التاريخ لا يصنع صدفة.. وما من أمة تقدمت إلا بالتواضع على منهج جامع.. يتجاوز الأنا إلى نحن، ويقوم على مبادئ راسخة تشجع على تجاوز الماضي بكل مراراته لبناء غد مشرق أساسه التسامح.. والعدالة.. والمساواة، وعلى منهج تخطيط يستصحب معه الحاضر ويستشرف المستقبل لبناء النهضة على فكر صحيح وقاصد..

لا أحسب أن الأمة السودانية كانت أقرب إلى ذلك منها اليوم.. فدونها بناء مجدها الذي طال انتظاره .. إن الحوار الوطني يمثل منصة الإنطلاق الأمثل لصناعة مجد أمتنا السودانية بكل وكامل مكوناتها العقدية والفكرية والثقافية والاجتماعية.. إن الوقوف على الرصيف وطرح الأسئلة والاستفسارات وانتظار الرد عليها للنظر فيما بعد في إمكانية المشاركة من عدمها، لأمر يحتاج إلى مراجعة عاجلة..

التاريخ يؤكد لنا أن فرص الأمم في التقدم وصناعة أمجادها.. وكتابة
تاريخها بيدها.. تتبعاد أزمانها .. و لا تتكرر كثيرا.. وهذا ما يؤكده أيضا تاريخنا في السودان.. فمازال الناس يسكبون الدمع حتي عهد قريب على التجربة الديمقراطية الأولى التي لم نستطع المحافظة عليها، ولعلنا لم نكن نملك آنذاك الإدراك و الوعي الكاف بأهمية المحافظة عليها، فإختلفنا، وكان خلافنا هو نهاية الفترة الحزبية الأولى، ثم جاءت الحزبية الثانية في أكتوبر 1964م وأيضا كررنا أخطائنا كما في التجربة الأولى، وكانت النتيجة هي نفسها بأن فقدنا التجربة الحزبية الثانية، وفي أبريل1985م كان ميلاد الفترة الحزبية الثالثة، وتعاطينا معها كان أسواء من تعاطينا مع التجربتين السابقتين وبالتالي كان مصيرها هو مصير سابقتيها..

الآن وبعد حوالي ثلاثة عقود تتجدد الأماني مرة أخرى، وتلوح في الأفق فرصة متجددة وغير مسبوقة لصناعة تاريخنا المشترك..

وبحمد الله وفضله يبدو أن وعينا بالتجارب الثلاثة السابقة قد زاد، وإحساسنا بأهمية دور كل منا في كتابة تاريخ أمتنا السودانية قد تقدم كثيرا.. وهذا ما أكدته مشاركة أكثر من سبعين حزبا سياسيا وأكثر من ثلاثين حركة كانت تحمل السلاح في صياغة الوثيقة الختامية للحوار الوطني، والتي نأمل أن تكون الأساس المتين والمنصة الراسخة التي ستنطلق منها الأمة السودانية لحجز مكانها بين الأمم، ولكتابة تاريخها بيدها لا بيد غيرها..

لكنني مازلت أرى أن هناك من تملكه الشك .. وهناك من ملاء قلبه اليأس.. وهناك من يقف على الرصيف لم يستوعب حجم الفرصة المواتية بعد.. نحن كسودانيين نريد أن نشارك جميعا في هذا الحوار وأن يكون لكل منا صفحة تخطها أنامله في كتاب تاريخ الأمة السودانية المتطلعة إلى دورها الرسالي، فهلا بدلنا مكان الشك اليقين.. وزرعنا مكان اليأس الأمل.. وتنبهنا إلى حجم الفرصة المواتية ..

علينا أن نعي جميعا إن التغير ليس حدثا واحدا منعزلا، ولا هو فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الآخرين.. بل هو عملية مستمرة، يجب أن يشارك فيها الجميع، كل بما يسر له، وكل فيما وبما يملك.

إن الذي ينتظر أن تتغير الأمور من تلقاء نفسها ثم يأتي، فهو حالم، والذي يعتقد أن الكلام يحل محل العمل فهو جاهل، وإن الذي ينتظر أن يأتي التغيير من الخارج فهو غير واقعي!!!

بحمد الله وتوفيقه بين أيدينا وثيقة تواضعنا عليها بعد حوار وطني شارك فيه جل ممثلي الشعب السوداني، فهلا لحقنا بالركب، وأعنا أخواننا في العقيدة والوطن على بناء السودان الذي نريد، بدلا عن محاولات تثبيط الهمم..

علينا أن ندرك حجم التصميم الذي وصلت إليه كل هذه الجموع بعد رسم معالم الطريق، والعزيمة التي توافرت للأمة للمضي قدما على طريق الحوار حتي نهاياته، وصدق الوعد الذي قطعه السيد رئيس الجمهورية توكلا على الله بتنفيذ توصيات مؤتمر الحوار الوطني التي يتوافق عليها أبناء السودان.

من أراد التغيير عليه أن يعد له نفسه وعدته، فالذي يريد التغيير عليه أن يأخذ بزمام المبادرة، وعليه أن يضع يده مع غيره،وأن يتعاون مع إخوانه، وأن يتجرد عن مصالحه الذاتية للمصلحة العامة، وأن ينتقل من الخلاف إلى الوفاق، ومن السلبية إلى الإيجابية، ومن النرجسية إلى الموضوعية، ومن الأحلام إلى الواقع، وأن يتزود بالإيمان والمعرفة والعلوم لأن طريق التغيير طويل، ويحتاج إلى نفس طويلة، وإلى صبر ومصابرة.

فالذي ينضم إلى الحوار ويستعجل النتائج يكون كالتي نغضت غزلها، ويكون قد خالف الناموس الكوني، وسنة الله في عباده، بيننا من يشعر بالظلم .. وهذا عليه أن ينضم للحوار لتحقيق العدالة..
بيننا من يشعر بالتهميش.. وهذا عليه أن يتقدم ليحقق التنمية والمشاركة.. بيننا من يشعر بالفقر وهذا عليه أن ينضم للحوار لتعزيز التنمية الاقتصادية وعدالة التوزيع..

بيننا من يفتقد المرافق الصحية .. وهذا عليه أن يسهم من خلال الحوار في تعزيز الرعاية الصحية
بيننا من يحتاج العلم والمعرفة .. وهذا عليه أن يسهم من خلال الحوار في بناء دور العلم من ورياض أطفال مدارس وجامعات..
بيننا من يحتاج إلى مياه صالحة للشرب، وغيرها من الخدمات.. وهذا عليه أن يكون جزء من الحوار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة..

من بيننا من لهم حقوق ومطالب، سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية.. ومن أراد تحقيقها كلها عليه بالحوار!!!

إن الذي أمره ما بين الكاف والنون خلق السموات والأرض في ستة أيام، ورسولنا عليه أفضل الصلاة والتسليم، المؤيد من فوق سبع سماوات وجد ما وجد في سبيل التغيير.. فهذه سنة الله في الكون، علينا أن نتعظ بها، وننهل منها، ونقتدي بها، إن أردنا أن يكون للحوار الوطني نهاية سعيدة، تمكننا من تحقيق آمال وطموحات الأمة السودانية القاصدة، في الاستقرار والسلام والنماء والتقدم والتطور..

لنكون قادرين على فعل ذلك كله، علينا جميعا المشاركة، وعلينا جميعا الإمساك بزمام المبادرة لنكون نحن من يصنع المجد لشعبه.. ونحن من يكتب التاريخ لأمتنا..

والله المستعان،،،

khldlord@gmail.com

سودان برس

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *