خط الاستواء/ عبدالله الشيخ .. حكاية (جنَا الحَشَا)..!

فى طرف الحِلّة، كانت هناك منطقة أثرية يأتيها خواجات الشتاء.. كانوا يفِدون إلى ذلك المكان كل عام بطائرة مروحية ويمكثون حتى انقشاع الشتاء.. بيعملوا شنو هناك؟.. الله أعلم، لكنّهم مع طول المُدّة، أقاموا علاقة وثيقة مع سِيد الدُّكان فى الحِلّة، فكانوا يستعينون به في التبضُّع والتعرُّف على أشياء البيئة، وفي الحصول على ما يحتاجونه خلال بقائهم على هذه الأرض.
كانوا يقصدون ديوانه، بزيّهم المميَّز -أردِيَتهم القصيرة – كأن زمهرير الشتاء لا يعنيهم فى شيء، فى ذلك الوقت كان ابن أُخت التّاجر ولداً فاشلاً فى المدرسة.. كان لديحاً وعاطِل موهبة.. ومع أنّه قادر على حمل السلاح، إلا أنّه أدمنَ القُعاد قِدّام الدُّكان، والقطيعة في الغاشي والماشي.
من موقعه ذاك أخذَ يراقب نمو العلاقة قويةً بين خاله ورهط الخواجات، فأصبح كل يوم (يَزِنْ) فى أضان أُمّو، والأُم بِقتْ لأخوها فى رقبتو: إلّا تكلِّم الخواجات ديل يسوقوا (الجّنَا دَه) معاهم، عشان يغترِب ويجيب القروش.. بعد إلحاح شديد، رضخ الخال وفاتحَ الخواجات، قائِلاً لهم إنّ (الجَنَا دَه) قال داير يمشي معاكم.. فوافقوا على طلبه، تقديراً لصحبتهم معه.
مع خواتيم الشتاء انتهت مُهِمّة الخواجات التى لا يعرف كُنهها أحد.. ولمّا جهزوا الطيّارة وأزمعوا الرحيل، تجمّع أهل الحِلة لوداع ابنهم (جنَا الحَشَا)، الذي سيحلِّق عالياً، ويهبط في بلاد الخواجات، ويعيش هناك، منغنغاً بين (هاكَ وكاكَ)!.
ودّعوه فى مشهد مهيب.. الله يكتب سلامتو، الله يكتب سلامتو، وقالت كَدي الطيّارة قامت وحلَّقَتْ، ثم غرِقَت في زُرقة السماء.. بعد قليل، وقبل أن يتفرّقوا نحو بيوتِهم، سمعوا أزيز الطائرة يقترب.. ما هي إلا دقائق، حتى حطّتْ الطيّارة في نفس المكان الذي بارحته، ونزل الخواجات منها وهم يسحبون (الجَنَا) من داخلها!
أنزلوه على الأرض (حالتو بالبلا) من الطُراش والإسهال، وقالوا ما معناه، إنّ السفر بالجو، ما بينفع مع جنّا بتاعكم ده..
فى ذلك الشتاء القارس، جلبَ أهل الحِلّة جرادِل الماء، وغسلوا الخطيئة من الطيّارة، وجرجروا (جَنَا الحَشَا) إلى قيف البحر، لِيغسِل لومه الذي تنوء من حمله الجِبال.
وتَمُر سِنينْ، وعُمُرْ مُسلمين، ويكبر (جَنَا الحَشَا)، ويعرِّسْ ويجيب وِليدات، والوِليدات يكبروا، وناس الحِلَّة كل زول فى حالو، زي كأنّهم نسيوا الموضوع.. يجي يوم، والفيضان يزانِق البيوت، ويمرُق الولد الكبير مع ناس الحِلّة لترْس البحر، وتشاء الأقدار أن يكون الولد، مَاسِك حبل الواسوق، وأحد عواجيز الحِلّة ماسك العود، وخاتِّي حِملو كلو فوق الدّاهي.. الشغُل حار، والجو نارْ، البحر كارِب، وما في طريقة.. الولد سخّنت معاهو (العصْرَة)، وبحركة عصبية رمى حبل الواسوق، ومشى طلع فوق التَّرَسْ.
عمّك الشّايب ما عجبتو الحركة، فنادى بغضب: يا ولد، فكيت حبل الواسوق، ماشي وين؟
ردّ الوِليدْ مِنْ زحمة التّعب قائلاً: ماشي السماء، ماشي السماء!
هناك أخرج له الشايب، مكنون (الهارديسك) وقال: واللهِ قبُلْ دا، أبوك مشى بهِناك، لكنو ما إنْسَتَرْ، وجانا راجع في ساعتو)!
فاهمين حاجة؟

أخر لحظة

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *