حاطب ليل/ عبداللطيف البوني .. البحـث عن حِـزبٍ

(1)
هُناك اتّفاقٌ على أنّ آخر ما وصلت إليه البشرية من تطورٍ في النظم السِّياسيَّة هو نظام ويستمسنتر أي الانتخاب الحُـر المُباشـر (صَوتٌ لكل شخصٍ) وبالإنجليزية one man one vote)) وهو ما اصطلح عليه باسم الديمقراطية الليبرالية, برلمانية كانت (بريطانيا) أم رئاسية (أمريكا)، أم مُختلطة بين البرلمانية والرئاسية (فرنسا)، فأيِّ دولة من دُول العالم تنشد المُشاركة السِّياسيَّة لا سبيل لها إلا انتهاج واحدٍ من تلك الأنماط السِّياسيَّة هذا إلى أن تكتشف البشرية نمطاً جديداً أكثر تقدُّماً.. فطالما أنّ هذا النمط الليبرالي هو المُتاح حالياً وإن شئت أقل الخيارات سُوءاً، فلا بُدّ له من أحزابٍ، فلا حياة ليبرالية بدون أحزاب.. أما كيف تكون تلك الأحزاب ودرجة تَطوُّرها فهذا يختلف من بلدٍ إلى آخر، ولكن المُؤكّد كَلّما كانت الأحزاب قوية في بنائها، واضحةً في برنامجها، ديمقراطيةً في عصبها، مُعبِّرةً عن طبقات الشعب كَافّة وتطلعاته، كُلّما كانت التّجربة الدّيمقراطية أرسخ قدماً، وهذا النوع من الأحزاب يتطلّب أن يكون المُجتمع الذي تَعمل فيه مُجتمعاً مُتجاوزاً للولاءات التقليديّة يضج بالثقافة الديمقراطيّة في أوردته وشرايينه.
(2)
بعد هذه الرّمية، ننفذ لشباب السُّودان الذي أظهرت انتفاضة “ديسمبر – يناير – فبراير” وَلْعَهُ وأشواقه لحياةٍ ليبراليةٍ حقيقيّةٍ بدليل أنّ شعاره (حُرية, سلام وعدالة)، فهذا الشباب يحتاج اليوم لأوعيةٍ حزبيةٍ تُنظِّم طاقاته وتُلبِّي تَطَلُعاته، فبدون أحزابٍ قادرة على استيعابه فستكون طاقته مُهدرة وتصويبه خارج الشبكة، لا بل ويُسرق جُهده..!
وهنا ينطرح السؤال هل أحزابنا الموجودة في الورق التي تفوق المائة، أو تلك الموجودة في الواقع والتي قد تصل إلى سبعة أو ثمانية قَادرةٌ على استيعاب هذا الشباب؟ أغلب الظن وللأسف أنّ الإجابة غير قادرةٍ، فهذه الأحزاب التقليديّة منها (بلاش طائفية) والأيدولوجية (بلاش أممية) والمناطقية (بلاش جهوية)، عجزت عن احتواء مُعظم هؤلاء الشّباب هذا راجعٌ لظروفٍ موضوعيةٍ وذاتيةٍ..!
وهنا ينطرح سؤالٌ آخر، هل يجب أن نُطوِّر هذه الأحزاب بإعطائها فُرصة جديدة أم نسعى لقيام أحزابٍ جديدةٍ؟ أي من الخيارين مُمكن إذا جلس الجميع على الأرض واتّبعوا خطوات تُؤدي لهذا الهدف.. فالتجربة البشرية مليئةٌ بالنماذج التي تُجدِّد الحياة السِّياسيَّة إذا سَادَ الوعي وخلصت النوايا.
(3)
في تقديري، إنّه يُمكن الآن أن نبدأ بالبناء الحزبي، فيمكن أن تُجرى انتخابات لتكوين أحزابٍ ووضع دستورٍ انتقالي وهذا يتطلّب أن تكون الانتخابات نسبية بنسبة مئة في المئة أي ليست فيها دوائر جُغرافية، فيترشّح عددٌ من الأفراد يُمكن تحديدهم بمعايير يُتّفق عليها، فلنقل خمسين، حزبيين كانوا أم مُستقلين يترشّحون على مُستوى البلاد التي هي دائرةٌ انتخابيةٌ واحدةٌ فيُصوِّت الناس لمن يرون، ثم تُقسّم الأصوات التي حصل عيها أيِّ مرشح على قوة المقعد المُتّفق عليها فلنقل خمسين ألفاً، وبذا نكون قد حَدّدَنَـا مقاعد البرلمان وكَوّنا أحزاباً قد تكون قديمةً أو جديدةً وتنتهي أحزاب الفَكّـة، إذ يُمكن أن نُحَـدِّد الحَد الأدنى من المقاعد البرلمانية لتكوين الحزب.. فمثلاً لو تحصّل الباشمهندس عمر الدقير على خمسمائة ألف صوت يَكُون لديه مائة نائب برلماني وله أن يُسمِّي مجموعته حزب المؤتمر أو أيِّ اسم آخر.. وتحصّل بُرطم على مائة وخمسين ألف صوت أي ثلاثة مقاعد نقول له لا يُمكنك تكوين حزبٍ، لأنّ الحد الأدنى للحزب عشرة مقاعد، فإمّا أن تنضموا لحزبٍ قائمٍ أو تبقوا مُستقلين.. يا ربي فلان داك بجيب كم صوت؟!

السوداني

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *