مني إليكم/ د.فدوي أبوالحسن .. إدارة التنوع والاختلاف من عوامل الفرقة إلي عوامل الجمع

يمكن القول وليس بحذر شديد أنّ السنن الكونية تقوم علي قاعدة الاختلاف والتمايز بين الخلق والأشياء،ولذا كثيراً ما يُدار سؤال عن هل الاختلاف نعمة أم نقمة وبكثير من الحذر أحاول إيراد لما هو نعمة ومتي من الممكن أن يُصبح نقمة!!؟؟
يُعد الاختلاف نعمة كبيرة وبائنة من الله عزّوجلّ بل هي معجزة وآية من آيات الله الحكيم قال تعالي(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ(22) الروم،وقال تعالي(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ(190)آل عمران وهنا في الآية الثانية يُبرز الخالق اختلاف الليل والنهار وضرورة وجود أحدهما مع الآخر فلا ليل من غير نهار ولا نهار من غير ليل ولكلٍ مميزاته وفوائده وانعكاساته علي الإنسان والذي يستفيد من الليل والنهار حسب ما يُطلبه منهما وتماشياً مع قوانين السنن الكونية وفي كثير من الأحيان لا يبرز ويظهر الشئ الإّ بضده فاللون الأسود لن يكون جميلاً إن لم يكن هناك أبيضاً والعكس هو الصحيح ولربما أكثر ما يلفت انتباهنا عند الدخول لمكان ما رؤية الألوان وكيفية تجانسها في لوحة ما أو في فرش ما أو في إنسان ما يُوصف أنه أنيق و(لبيس)إذا كان ممكن يُحسنون اختيارات الألوان وتجانسها وفِي الطبيعة سبحان الخالق العظيم نجد الاختلاف في مداه الواسع يخلق راحة نفسية للناظر في الزهور والورود المختلفة الأشكال والألوان وفِي العصافير وفِي الأسماك بل في الثمرات والجبال وتكويناتها وألوانها قال تعالي((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27)فاطر،أما الألسن واختلافها ففي اعتقادي أنّ كل كلمة في قاموس اللغات واللهجات تُعتبر إضافة كبيرة تدخل في باب التنوع المحمود والذي يُضيف ولا ينقص .

لذا فالتعامل مع الاختلاف وكأنه شئ سئ أمر مقلق للغاية بل يدل ذلك عل عدم فهم المغري الذي من أجله جاء الاختلاف فالاختلاف يعني إثراءً للحياة وغنيً لها،تخيلوا لو كان كل من في العالم يتشابهون في أشكالهم ولغاتهم وتصرفاتهم لاختلف شكل الحياة بل ربما كان مملاً رتيباً فالتنوع والاختلاف يرتبطان بالمنتوج الثقافي للأمم والحضارات وذلك مما يمكن تسميته(بإبداع الاختلاف الثقافي)لأنّ كل أمة لها ما يميزها من الصفات الخاصة ولذلك يوجد لديها شئ ما مختلف تقدمه للآخرين.

وإذا سلمنا أنّ الاختلاف بين البشر قائم علي آية أو معجزة فلذا يُصبح الاختلاف السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الفني أو…….،أمراً مقبولاً بل محموداً ولكن ما هو مذموم وليس محموداً هو الاختلاف الذي يكون سبباً في الفرقة والتشتت والمحاربة والقتال ومن ناحية أخري العنصرية المبنية علي أساس العرق أو اللون أو البلد ويكون في هذه الحالة ليس مُحبباً ولا مطلوباً وكما قال تعالي(وَاعْتَصِمُوا……وَلَا تَفَرَّقُوا…..(103) آل عمران.

واختلاف الآراء ووجهات النظر شئ طبيعي في أي مجتمع من المجتمعات بحكم الاختلاف في التنشئة الاجتماعية واختلاف التعليم والمهارات والمواهب الانسانية الخاصة والتحارب وتأثيرات البيئة الأخري الأسرة والمجتمع وغير ذلك كله يؤدي إلي نشوء شخص مختلف عن الآخرين تميزه بصمة إصبعه وعينه الخاصة به!!!ولذلك فإنّ القائد الملهم مثلاً في مؤسسته أو منظمته يبحث عن تعيين أشخاص مختلفين وليسوا متشابهين لا في طريقة تفكيرهم ولا أدائهم لأنّ اختلافهم سيقود لتقديمهم شئ متميز وجديد عوضاً عن وجود أُناس رتيبين متشابهين مملين مكررين!!!

والغريبة أنه في بعض الأحيان يكون هذا الاختلاف مميزاً لدرجة إثارة الحسد والغيرة من الآخرين بل وحتي من أقرب الناس إليك وما سورة يوسف منٌا ببعيد،إذ تميز هذا الأخ النبي بعدد من الصفات المختلفة جعلته يكون مصدراً للغيرة من اخوته بل وأبعد من ذلك التخطيط لقتله!!ولكن تفاصيل القصة ببداياتها وعقدتها أوصلتنا إلي إقرار الاخوة بأنّ اختلاف أخيهم يوسف كان من مصلحتهم وقدَّمت لنا صورة بهية لكيفية إدارة الإختلاف وربما كان الاختلاف في أسوأ صوره هو في صورة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان في ممارسة الرّق والعبودية والتي حدثت في أوقات سابقة وما زالت تحدث في قصص غريبة هي أشبه بالخيال.

طيب!!إذن ما المطلوب منّا فعله حتي نُدير اختلافاتنا الطبيعية بما يؤدي إلي تحقيق الخير لنا جميعاً وبما يجعلنا نعتبر الاختلاف نعمة وليس نقمة؟؟إليكم بعض النقاط والتي قد تُفيد في ذلك مع ضرورة التأكيد بأنّ إدارة التنوع والاختلاف تمثل تحدياً كبيراً لكل العالم لكن بدرجات مختلفة حسب ما بذلوه من جهد وبنوْه من أفكار تُصب في خانة المصلحة العامة.
1- ترسيخ فهم مشترك من المقصود بالاختلاف وأنه أمر إيجابي يقود للإثراء الفكري والثقافي منبع ذلك الآيات القرانية وما نراه في الطبيعة والحياة في مجملها عبر برامج اجتماعية تستهدف في مبدأها التنشئة الاجتماعية السليمة المناهضة للعنصرية والقبلية والتي تقود لتأليف القلوب ضد التشاحن والبغضاء.
2 – تقبل الآخرين باعتبارهم إضافة مثمرة وليسوا خصماً عليك وقد يكونوا مكملين لك في جوانب نقصك الموجودة فيك.
3 – ضرورة وجود مرجعية في حالة الاختلاف إن كان في أمر ديني فالمرجعية لله ورسوله وإن كانت في أمر دنيوي فالمرجعية فيما توافق عليه الناس وارتضوه من دستور وقوانين وتشريعات حاكمة.
4 – الاختلاف محمود والتفرقة منبوذة ولذا يجب علي الجميع الاتفاق علي الحد الأدني من عوامل الجمع والتي تعصم من الفرقة فيما بين الأفراد مع بعضهم البعض والجماعات كذلك.
5 – وجود هوية جامعة للأمة يُعزّز من الاستفادة القصوي من الاختلاف والتنوع في المصالح العُليا للوطن ولبناء أمة قوية قادرة علي مواجهة مشاكلها ونقد حاضرها وصُنع مستقبلها.

وستكون في مستقبل السودان القادم كذلك عظيم التحديات الخاصة بإدارة التنوع والاختلاف لحسم كثير من القضايا والتي ظللنا نفشل في حسمها بناء علي أرضية صلبة من الوعي الفكري والارتقاء بمستويات الممارسة السياسية والإدارية بما ينعكس أمناً وسلاماً وإزدهاراً للوطن العزيز .

صحيفة إيلاف

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *