الأوضاع في دارفور ليست كصورتها القديمة….قرارات جمع السلاح بدلت أحوال الناس والمواقف

زالنجي: محمد مصطفى الزاكي

 

لم يكاد العم يوسف يستوعب أن يخرج من معسكر النازحين جنوب مدينة (بندسي) قاصدا قريته التي فارقها لأكثر عشر سنوات بغرض التحقق من مصداقية الأحاديث التي يروج لها الحكومة حسب إعتقاده عن جمع السلاح وإنتفاء كل المخاوف عله يعود ليستقر في حال صدقت تلك الأقاويل، سار لوحده لساعات لا يحمل في يده سوى عصا إعتاد منذ الصغر على حمله، أحس بالتعب فأختار منطقة منخفضة جوار الطريق ليجلس تحت شجرة صغيرة يستريح قليلا ثم يواصل السير، خاصة وأن السير أثناء الظهيرة تحت أشعة شمس الصيف الحارقة لشخص في عمره تتسبب في الإصابة بمرض ال(الوردي) وهو مرض لا يحتاج تشخيصه لطبيب مختص، فالكل هنا يعرف الأعراض وهو يصيب الرأس ويسحب طاقة الجسد ويمنع المصاب من ممارسة نشاطه لأيام.

الشك واليقين

جلس العم يوسف يفكر بين مصدق ومكذب للمتغيرات الجديدة في الأوضاع،قطع حبل أفكاره أصوات غريبة ،إلتفت للتحقق من المصدر فإذا ب(فتيان البدو) يسيرون خلف ماشيتهم،لكنهم لا يحملون أسلحة كما العادة، فإذا بأحدهم ينفصل عنهم ويقصد العم يوسف السبعيني الذي كان يجلس طرف الشارع وحيدا وبجانبه كيسا بداخله رطل من السكر وأوقية شاي وحفنة من دقيق الذرة لغداء اليوم وسبع قطعة من فاكهة المانجو الطازج لزوم التحلية وبعض من النقود وكوب من الزجاج وإناء صغير  يصنع به الشاي، نهض العم يوسف وأمسك عصاه بقوة دون أن يرفعه من الأرض، وقد عادت إليه كل توجساته القديمة وبدأت الأفكار السيئة تنهمر على رأسه كما المطر، إستجاب الجسد النحيل لتلك التوجسات فخارت قواه واستسلم للإنهيار.

تغير الأحداث

أقبل الفتى نحو العم يوسف وخاطبه بالتحية ذيلها بجملة بددت كل المخاوف وأزاحت عن رأسه ظنون السوء، الجملة كانت(يابا، علك ما عيان!!؟)، أجاب بالنفي بعد أن إستجمع قواه وإطمئن قلبه ،أخبره بأنه يريد الذهاب الى قرية(كبك) موطنه الأصلي الذي نزح منه قبل سنوات، لكن حرارة الجو والعطش أجبره للإستراحة تحت هذه الشجرة، أخرج الفتى من مخلايته( حقيبة من الجوال) قارورة مليئة بمياه الشرب وناول العجوز، وودعه بالدعاء له بالسلامة والستر(الله يسترك)  ولكن قبل أن يغادره الفتى طلب منه العم يوسف إن ينادي على رفاقه وليناوله قارورة أخرى يصنع به شاي الظهيرة، جلسوا جميعهم وقد قسم عليهم قطع المانجو ثم تبادلوا الكوب الوحيد المتوفر واحتسوا الشاي؛كان شايا بطعم الوطن، تعارفوا وتآلفوا طلبوا من العم يوسف أن يحدث   أهله للعودة وعاهدوه على التعايش بسلام مع العائدين لإعمار قريتهم.

واقع مختلف

هذه القصة رواها لي العم يوسف بنفسه وهي واقعية يعيش فصولها أهل دارفور مع تعديل في أسماء الأبطال والمسارح الأداء، نتيجة الحملة القومية لجمع السلاح، يؤكد ذلك العمدة يوسف أرباب محمد سليمان الذي إعتبر قرار جمع السلاح من أنجح القرارات ، مضيفا أنه بعد الحسم في تنفيذ القرار إنتفت كل المخاوف وأحس الناس بالطمأنينة، وبدأوا بالتفكير في مزارعهم التي هجروها لسنوات، وأضاف سليمان أنهم كرجال إدارة أهلية يسعون بين الناس لإزالة الغبن وفض النزاعات الصغيرة التي تقع هنا وهناك خاصة بين المزارع والراعي، وأنها لن ترقى أبدا لمستوى الصراعات السابقة وذلك لغياب المحفز وهو السلاح حسب قوله، مضيفا بأنه هنالك لجان شعبية مشتركة بين الرعاة والمزارعين من كل القبائل المتواجدة في منطقة العودة يكونها الأهالي تشرف على إعادة الحقوق لأصحابها إن كانت أراضي زراعية أو بيوت أو حتى مواشي مسروقة، مهمتها الأساسي هو حفظ الأمن والسلام بين المكونات الإثنية في المنطقة ولا يجرؤ أحد من مخالفة رأيها وإلا سيسلم للسلطات فورا.

الناس لاتخشى حتى الذئب

هذا ما ذهب إليه الأمير حسين سعيد الحلو الذي أضاف بأن التاريخ أعاد نفسه وكأنه لم تشهد هذه المناطق صراعات مسلحة من قبل بفضل القرار الحاسم حول جمع السلاح التي بدلت الأحوال حتى بات الناس لايخشون حتى الذئب الذي سجل غيابا طويلا من غابات دارفور، وأضاف الحلو أن الجهود الشعبية التي عضدتها جهود رسمية صارمة هي ما جعلت المستحيل ممكنا وتحقق هذا الإستقرار وذات الجهود تبذل حاليا لإزالة كل آثار الحرب وإعمار المناطق المهجورة، لكنه إستدرك التحدي الماثل في إرتفاع أسعار السلع وتكلفة المواصلات وهو ما سيدفع البعض لللجوء الى طرق الكسب الملتوية، داعيا الحكومة ممثلة في القيادة العليا لإيلاء إهتمام أكبر بتسهيل معيشة المواطن إيجاد فرص عمل ومهن بديلة للشباب الذين كانوا يحملون السلاح طيلة أيام الحرب.

الرقص على إيقاع واحد

إستشهدت الناشطة الإجتماعية الأستاذة فاطمة أحمد حسين أتيم بمواقف قابلتها عند مشاركتها في برنامج(اليوم المفتوح) قامت به منظمة(CRS) في مناطق (مقن) و(كراكرا) حيث كانت القبائل تتشارك  رقصاتها الشعبية حيث تجد فردا من قبيلة يؤدي رقصة قبيلة أخرى ولا تكاد تميزه عن باقي أفرادها إلا من ملامحه إن إختلفت، وأضاف بأنها شاركت أيضا في مبادرة شعبية لختان لحوالى (٢٣٠) صبي في وحدة أبطا الإدارية شمال زالنجي ولاية وسط دارفور وهم ينتمون لتسع قبيلة تم إستضافتهم في فصول مدرسة واحدة قضوا فيها أكثر من عشر أيام مع بعضهم بعضا لا تكاد تميز بينهم وكأنهم أبناء أسرة واحدة.

فاطمة وصفت ذلك بالمؤشر الإيجابي تؤكد عودة النسيج الإجتماعي بين القبائل في الولاية بل في كل دارفور الى ماكانت عليه فيةالسابق، مضيفة أن الأنشطة الإجتماعية والفعاليات الثقافية هي من أنجع وسائل إزالة الغبن الذي نتج بسبب الصراعات المسلحة، طالبة من حكومة الولاية توفير الإمكانات لتنظيم مثل تلك الفعاليات وتكليف الشخصيات المقبولة لدى المجتمعات للإشراف عليها.

سلوكيات جديدة

الخبير الإجتماعي الدكتور النور موسى مدير معهد دراسات السلام والتنمية بجامعة زالنجي كشف عن نتائج مؤتمرات نظمها المعهد للوقوف على مؤشرات إمكانية التعايش السلمي بين مكونات المجتمع، أظهرت تغيرات سلوكية كبيرة جدا وسط المكونات القبلية نحو الإيجاب، وأوضح موسى أن مثل هذه المؤتمرات في السابق تسودها روح الإنتقاد والكراهية بين القبائل الى درجة أن المعهد تضطر للإستماع الى مقترحات كل قبيلة على حدا في مكان بعيد عن أختها وكانت أولى توصيات المؤتمرات السابقة كانت ضرورة السعي لجمع السلاح وفرض هيبة الدولة والقانون، لكن هذه المرة إجتمعت القبائل في قاعة واحدة وكان المناقشات إيجابية غالبها التسامح واتسمت بالود والإحترام المتبادل وظهرت فيها تعابير الندم، فيها أقر الجميع بأنه لا داعي لوجود النازحين في المعسكرات أنه من الضروري العودة لإعمار المناطق المهجورة والدخول في الإنتاج والتعاون فيما بينهم للتعايش في سلام.

من المحرر:

إذا كان الأمر كذلك وقد إنتفت مظاهر النهب والترهيب وزالت مخاوف العم يوسف وبات يسير وحيدا في الغابات حاملا زاده لا يخشى حتى العطش، وعادت القبائل تتعايش فيما بينها بسلام، فلا يوجد من يعكر صفو المواطن هنا سوى الغلاء الذي تفشى كالسرطان في الجسد، فما على المسؤولين سوى إجراء عملية تجميل طفيفة على جسد الميزانية لتعديل أوجه الصرف بحيث تولى معاش الناس وتنمية الموارد الأولوية القصوى، ويعيدوا النظر في معايير التمثيل السياسي بحيث يكون الإختيار للوظيفة الدستورية وفق الكفاءة والولاء التنظيمي لا  القياس على قميص القبيلة التي قصمت ظهر بعير المجتمع وباتت هي المحفز الثاني بعد السلاح للصراعات القبلية في دارفور .

 

سودان برس

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *