حاطب ليل/ د.عبداللطيف البوني .. تصفير المُعارضة!

(1)
في مَقالنا الأخير عن مسيرة المُعارضة السودانية، قلنا إنّه منذ مُعارضة الشيوعيين للنميري بعد انقلاب مايو ثم يوليو 1971، اتّخذت المُعارضة السُّودانية منحىً مُختلفاً، إذ تجاوزت مُعارضة النظام على المُستوى السياسي إلى الضرب في عظم الدولة، ثُمّ تلقف الشريف الهندي والصادق المهدي الأمر فَعَارضا نِميري بالغزو المُسلّح والحصار الدبلوماسي والتضييق على الصادر والوارد.. وقلنا إنّ تطوُّر المعارضة في هذا الاتجاه كان ردة فعل للإقصاء الذي مَارَسَهُ النظام، فمثلما كان النظام الحاكم فاجراً في مَوقفه مِن مُعارضيه, أصبحت المُعارضة أيضاً فَاجرةً في خُصُومتها للحكومة، إذ تقوم الحكومة بشيطنة المُعارضة فَتستعين المُعارضة بالشيطان للقضاء على الحكومة، ويَصبح كُلّ طَرفٍ العَدو رَقم وَاحِد للآخر، فتذوب المسافة بين مُعارضة النظام ومُعارضة الدولة، وتجلى هذا في حقبة الإنقاذ حيث أقصت وحاصرت خُصُومها وأبعدتهم من الجبهة الداخلية فلجأوا لحصارها بالجبهة الخارجية فكان الذي يُكبِّل البلاد الآن!!
(2)
لا نحتاج لكثير جُهد كي نثبت أنّ أيّ معارضة داخلية وفي أيِّ وقتٍ لن تَعدم مَن يشتريها خارجياً، فالتّناقُضات الإقليمية عَلَى قَفَا مَن يشيل.. أمّا على الصعيد الدولي فحدِّث ولا حَرج رغم انتهاء الحَرب الباردة.. ومبدأ من ليس معنا فهو ضدنا (ما يَدِّيك الدّرِب)!!
فاليوم العلينا دا حكومة الثورة الحالية بقيادة حمدوك ورغم الالتفاف الكبير حولها، إذا نشأت لها مُعارضة داخلية سوف تجد الدعم إقليمياً ودولياً مهما تغطّت الحكومة بثوب الحياد، فأيِّ تبسُّم في وجه الرياض وأبوظبي سوف يُقابله تَبسُّمٌ في وجه الدوحة (انظر قناة الجزيرة التي تتلوّن يومياً الآن، وبدرجةٍ أقل قناتي العربية وسكاي نيوز)، وأي ضحكة مع القاهرة سوف تُقابلها ضَحكةٌ مع أديس أبابا وعلى الخط جوبا وإنجمينا، وأيِّ إشارة لواشنطن سوف تُقابلها إشارةٌ لمُوسكو أو حتّى لباريس، وهُناك الصين وتركيا وإيران على الخط!!
(3)
والحال كذلك لا بُدّ من العمل على فكرة (زِيرو مُعارضة) حَتّى تَمضي الفترة الانتقالية بسلامٍ وبعد الانتخابات تصبح المعارضة دستورية.
بعيداً عن التنظير، الجهة المُرشحة لمُعارضة لقيادة المعارضة هي اتّباع النظام السابق الذين هم الآن في حالة كمون وإن شئت قُل في حالة حصارٍ سياسي، وفي نفس الوقت في انتظار هَدايا تأتيهم من جهة الحاكمين مثل التّشاكُس بينهم أو عدم القُدرة على الإنجاز أو سُوء الإدارة أو التّمكين المُضَاد، كَمَا أنّ ثلثي الناس ضد الحاكم إذا عدل.. فتجاه هؤلاء المُعارضين المُحتملين يجب إنقاذ القانون ومحُاسبة كل من ارتكب جنايةً في ظل النظام السابق، ولا بُدّ من إعمال مبدأ عدم الإفلات من العقاب وفي ظل عدالة انتقالية، وفي نفس الوقت يجب عدم التّوسُّع في تعريف موالاة النظام السابق، فكل الذين كانوا في الخدمة العامة بشقيها المدني والعسكري لم يكونوا بالضرورة مُوالين للنظام، إنّما كَانُوا يُؤدّون دَورهم في الحياة ببلادهم، والأهم من ذلك على فصائل “ق ح ت” ألا تتمظهر بمظهر المُعارضة بنية الكَسب في المرحلة القادمة، وبهذا وغيره يُمكن نصفِّر خانة المُعارضة السِّياسيَّة الداخلية، ولكن تبقى المُعارضة المُسلّحة وبعض الجُيُوب التي مازالت تعمل على مُواصَلَة حِصار البلاد من الخارج.. خلونا نشوف حكاية سد النهضة ونرجع ليها ان شاء الله

السوداني

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله