مجزرة القيادة: ضحية إغتصاب عشرينية .. “أنا خلاص انتهيت”

نجون من الرصاص لكن أجسادهن لم تنجُ.

قدم نفسه مُنقذ واستدرجها ثم غدر بها واغتصبها.

الخرطوم: شمائل النور
قضينا أكثر من شهر نبذل محاولات حثيثة لإقناع إحدى ضحايا اغتصاب مجزرة فض الاعتصام للتحدث، وذلك عبر سيدة لعبت دور الوسيط الثقة، ولأن ضحايا الاغتصاب بشكل عام يسيطر عليهن الشعور الدائم بعدم الطمأنينة أكثر مما يمكن أن تعتبره هي “وصمة” ، أو تحويل قضيتهن إلى قضية رأي عام. كانت الثقة هي المفتاح. كان ظني أن إقناع ضحية اغتصاب بالتحدث عن تجربتها والإدلاء بشهادتها للصحافة هو الأمر الأصعب على الإطلاق، فلما اقتنعت إحداهن اعتقدت أن الخطوة الأصعب قد انتهت، لكن ما أن التقيت بالضحية العشرينية وتجاذبنا الحديث حتى بدأت الخوض في حكايتها ، فكان الأمر الأشد صعوبة وقسوة واحتمالا هو قدرة الضحية على سرد تفاصيل ما حدث واستعادة بشاعة تلك المشاهد. الأقسى على الإطلاق أن تضطر الضحية لاستعادة تلك الصورة البشعة والأكثر إيلاماً. محدثتي التي لم يفارقها الشعور بالغثيان طيلة لقائنا كانت مع كل سؤال يستعيد مشهدا من جسدها المنتهك تُسرع نحو الحمام تحاول الاستفراغ ثم تعود وتكمل، فعلت ذلك نحو ثلاث مرات.

ساعة الصفر.!

هنا سأضطر إلى الإشارة إلى اسم محدثتي بحرف “س” لخصوصية بياناتها، بناء على رغبتها التي كانت شرطا في موافقتها على المقابلة..كانت الشابة العشرينية التي تقطن مدينة أم درمان تخرج في المظاهرات والمواكب منذ تفجر ثورة ديسمبر، فلم تتعرض لاعتقال أو حتى ضرب طيلة شهور المظاهرات.. في السادس من أبريل تحولت المواكب والمليونيات إلى اعتصام في محيط القيادة، فكانت “س” حاضرة منذ اليوك الأول ، تكمل سحابة يومها في القيادة وتعود إلى منزلها تحلم بسودان جديد. خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان ومع أجواء فرحة العيد والتجهيزات التي كانت تنتظم خيام المعتصمين قررت البقاء في القيادة بشكل متواصل. قبيل فجر التاسع والعشرين من رمضان؛ الثالث من يونيو، كان كل شيء على ما يُرام، لم يكن هناك شيء يغطي المكان سوى الأمل الذي سرعان ما تحول إلى دماء وجثث وأشلاء..اقتحمت قوات المجلس العسكري –وقتها- محيط الاعتصام من مداخل متفرقة. سمعت “س” التي كانت موجودة بالقرب من ترس الموت أصواتا تتعالى وصراخا ثم جريا وأصوات رصاص من مصدر مجهول والجميع يهرول باحثاً عن مخرج، فهبت مع البقية ولا أحد يفهم ماذا يجري، فجأة تعرضت لضربة قوية في عنقها من الخلف وسرعان ما غابت عن الوعي جزئياً، وهي تذكر أن شخصين أحاطا بها وسددا ضربة قاضية أفقدتها الوعي إلى حد ما.

الاستيقاظ على هول الفاجعة.!

لم تفق “س” تماما إلا بعد أن وقعت الواقعة، وجدت نفسها ملقاة على الأرض في مبنى غير مكتمل “هيكل”.. حاولت أن تستعيد قواها قليلا لكن الفاجعة كانت حينما رأت الدماء وقد لطخت فخذيها، تحسست جسدها النحيل فوجدت نفسها بلا ملابس داخلية. آثار كدمات وتورم على وجهها وصدرها وبقية جسدها، تقول محدثتي “كنت أشعر بكل شيء ولم يكن واضحاً لي إن كان حلما أم حقيقة، ولم أكن قادرة على المقاومة، بل لم أكن أدري إن كنت حية أم ميتة” .. تدريجيا بدأت تستعيد وعيها بالكامل، ذُهلت لكن يبدو أنها لم تستوعب بعد أنها تعرضت للاغتصاب أو ربما رفضت نفسها مواجهة ما حدث. كانت المجزرة لم تكتمل بعد حينما عاد إليها وعيها.. الصراخ وأصوات الرصاص ومحاولات إنقاذ ذاتية..وبينما الجميع يحاول الفرار وجدها بعض الفتيات فحاولن إنقاذها، بجرّها جرّا تارة وإسنادها على أكتافهن تارة أخرى، حتى انتهى بها الأمر في منزل في حي جبرة جنوبي الخرطوم، وهو منزل يخص الفتيات اللائي ساعدنها.. باتت ليلتها تلك في ذلك البيت، وعندما أصبح الصبح استوعبت تماما ما حدث لها، تقول “س” : شكرت الفتيات واستأذنت للذهاب إلى منزلي. وصلت بيتها لتجد أمها في استقبالها، حيث كانت كل الأسر ترابط في الشوارع في انتظار أبنائها المعتصمين، لم تستطع “س” التماسك، كاشفت أمها بما جرى فكانت صدمة الأم أشد وأعنف، ولا أحد في المنزل يعرف سوى الأم التي توفر لها الدعم المتواصل والصلوات والدعاء ، وتعتقد “س” أن هذا يكفيها. حينما سألتها؛ لماذا لا تذهب إلى مركز متخصص للدعم النفسي وهي في حاجة شديدة إليه؟ كانت ترفض ذلك وبتشدد بالغ وهي تقول “لا أرغب أن يعرف أحد ما حدث لي” حاولت إقناعها أن المراكز المتخصصة تتعامل بسرية شديدة، لكن الرفض كان حاضرا على الدوام.
لم تذهب “س” إلى مركز طبي لفحص العذرية أو الحمل أو الأمراض المنقولة جنسيا، سألتها إن كانت تعتقد أنها لا زالت عذراء..تبدلت ملامح وجهها وانهارت تماما واكتفت بالقول “أنا خلاص انتهيت”.
سألتها إن ارتبطت مستقبلاً بشاب، هل تكاشفه بالأمر، فكان ردها: إن وجدته شخصا متفهما سوف أكاشفه وإن لم، فقطعاً لن أكاشفه، ثم فجأة وكأنها استدركت ” أنا ما عايزة ارتبط أصلاً”..ولم تكن مستعدة لمواصلة الحديث.

استدراج وغدر ثم اغتصاب.!

محدثتي الثانية التي تعرضت للاغتصاب مع سبق الغدر سوف أشير إليها بحرف “ع” ، وهي كانت تعمل في بيع الشاي منذ منتصف رمضان، وكانت تجلس دائماً بالقرب من بوابة القوات البرية المقابلة لتقاطع شارع الجيش مع البلدية. قبيل الفجر ذهب إخواتها لوضع أغراضهن في المكان المخصص توطئة للخروج من القيادة بعد صلاة الفجر كما جرت العادة بالنسبة لهن، وقبل أن يعدن إليها كانت قوات المجلس العسكري قد أعلنت ساعة الصفر ، وفي دقائق تبدّل المكان تماما، تقول “ع” بينما أنا واقفة ولا أدري ماذا أفعل : هل انتظر أخواتي أم أخرج والجميع يهرولون ويصرخون، أتاني أحدهم يرتدي زياً عسكرياً ؛ قالي لي بما يشبه المُنقذ ” إخواتك في انتظارك من الناحية الأخرى” ، ذهبت معه، كان يسير خلفها وفجأة انتابها شعور ما بالقلق، التفتت إليه وقالت له أين هن؟ في تلك اللحظة لف العسكري ساعده على عنقها وحاول كتم أنفاسها، قاومته بقوة، لكنها سقطت وارتطم رأسها بأرضية صلبة، ولا تزال آثار الضربة ظاهرة على رأسها، غابت عن الوعي، استيقظت على واقع كريه، مجردة من ملابسها الداخلية التي تُركت بجوارها، وهي لا تدري إن كانت ما تعرضت له اغتصابا جماعيا أم من فرد واحد، لكن هذا لم يكن همها في تلك اللحظة..سريعاً حاولت إنقاذ حياتها ولا زال الرصاص يمطر المكان، وجدت مخرجاً.

8 كلم مشيا على الأقدام.!

محدثتي التي تقطن أم درمان أيضا، قطعت المسافة من القيادة حتى المهندسين مشيا على الأقدام وهي نحو (8 كلم)، تقول “ع” كان بعض أصحاب المركبات يقفون في الشوارع لإنقاذ ومساعدة الناجين من المجزرة، لكني كنت خائفة ومرعوبة من أي شخص، فضلت المشي، ولما وصلت المهندسين، بعد جسر الفتيحاب مباشرة، توقفت عربة بوكس كانت تحمل رجالا ونساء وأطفالا، نوعاً ما شعرت بالطمأنينة وركبت معهم كان واضحا أنني فارة من المجزرة مثل كثيرين طبعاً، سألتني تلك السيدة التي اطمأننت لها “هل معك مصاريف” قلت لها “لا”، اعطتني (20) جنيها استطعت الوصول بها إلى بيتي، وصلت ولم يكن في بالي غير الاطمئنان ما إن كان قد حدث حمل أم لا، وأنا أعلم تماما ماذا سيحدث لي ولأسرتي إذا حدث حمل،. اتصلت مباشرة بصديقتي وأخبرتها بما جرى، ثم ذهبت إلى مركز طبي بالقرب منّا لفحص الحمل، سألني العامل في المختبر، هل انت متزوجة؟ اضطررت أكذب، قلت له نعم، وكانت النتيجة “لا حمل” لكني لم اطمئن إلا بعدما اكملت شهرا، محدثتي “ع” أخفت ما حدث لها عن أسرتها وهي متشددة في هذا الأمر. تخشى “تأنيب الضحية” من جهة وتخشى “الوصمة” على أسرتها.
“س” و “ع” ترفضان اللجوء لمراكز الدعم النفسي وإن كانت “ع” أكثر تماسكا وأفضل حالا من “س”، إلا أن الدموع لم تفارق عينيها طيلة لقائنا، وكانت آخر وصاياهن فقط الاحتفاظ بسرية بياناتهن.

التيار

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله