خط الاستواء/ عبد الله الشيخ (أهل التَّغرِيدة)..!

عطيّة ودْ سِتْ البَنَات جاء الخرطوم من أجل (الشُغُلْ)، ما أن دخل بيت العزّابة الكائن بجوار سوق سعد قِشرة بالخرطوم بحري، حتى استشعر أن رزقه يأتيه رغداً دونَ عناء، وقعد القَعْدة اليّاها، لا رجع البلد تاني عشان يشوف عقابو، ولا مرق الشارع عشان يشتغل ويشيل حيلو.. ويمرُق كيفِنْ إذا كان بيت العزّابة بيتاً رطيب وإيجارو قديم، وفي موقع إستراتيجي؟
يتشكّل جالوص البيت من غرفتين، خمسة فى خمسة، بينهما برندة طويلة مفتوحة شمال – جنوب وبجانبها (التُّكُلْ).. تعرف (التُّكُلْ)؟.. أمام (التُّكُلْ) فسحة حوش مليان عناقريب وسراير وأزيار تقادمَ عليها العهد فأصبحت مشاعاً ونموذجاً عملياً للاشتراكية حين يطبقونها لك، ولا يطبقونها فيك!
كذا تلد الاشتراكية نفسها.. أي زول دخل الحوش يترك بصمته فيه.. يقضي أيّامو ويسافر.. كل من هاجر إلى بلاد الغُربة يدخل بيت العزّابة ويخلي وراهو البطانية أو المِلاية، أو باقي الهدوم،، والجّايين من البلد يدخلوا الحوش بشوّالات التمُر والقرقوش والآبري وباقي الزُّوادة.. الخير باسط وسوق الخدار على بُعد خطوات، وزولنا – ود سِت البنات – مِنْ صباحات الله يقوم يكابس باقي حلّة الليل، وبعد ما يفِكّ الرّيق يشوف خبر كراتين البلد فيها شنو.. في الضحى يكون وحده. يأخد تكويعة ورا تكويعة.. ينجبدْ تاني وتالت.. ياخُد غمدة أو يراجع في ذهنه تفاصيل قعدة الأمس وعمايل المتفرعنين من العزّابة، كاتماً للأسرار ومستفيداً منها.. دخل عطيّة بيت العزّابة منذ زمان ليس بالقصير فاصبح أحد ثوابته، عصراً بدري يعمل تشكيلة ويفرش تربيزة الكوتشينة وينتظر الخدرجيّة، حتى يدخل بجميع من في الدار إلى برنامج المساء، حيث ينقسم العزّابة إلى كفّتين راجحتين.. أولاهما تضطر للنوم باكراً، أولئك هم أهل التوريدة، أما الكفّة الثانية فتتكامل على الأوضة الجُوّانية، وأولئك هم أهل التَّغرِيدة..
أهل التغريدة – حيث كانوا – تستمر فعالياتهم حتى الهزيع،، وفي بعض الليالي يخلو البيت من الرّقابة – كُبارات ناس الحِّلة الذين يغشون الدار – فيُتاح لأهل التغريدة التدفُق في الحوش مع قزقزة وطمبرة تتفتّق مع دُعاش العرجون!
مرّت السنوات وعطيّة على تلك الحال.. انقلبت الحكومة مرة ومرتين وتلاتة.. حكم الصادق المهدي مرتين وتلاتة.. سافر من بيت العزّابة من سافر.. رجع للبلد من رجع.. عرّس من عرّس.. فرز عيشتو مَن فرزْ، إلا ودْ سِتْ البَنَات الذي كوَّع هناك، يحرس العَقاب، حتى طال عليه الأمد فلم يعُد قادراً على الوصول إلى عتبة الباب،، والباب مفتوح أصلاً ودون رِتاج، لكن طارقاً من أهل الحِلّة بيت العزّابة محملاً بالخيرات وهو على عِلم بأن زائر البيت المُقيم، هو الأحق بتعتيل مواد التموين، فهي في غالبها ستكون من نصيبه،، لذا فهو يثابر على الطرق بالحاح حتى يخرج إليه ودْ سِتْ البَنَات ليحمل الأثقال..
عكف الطارق على الباب، يدق بعنف كي يخرج إليه عطية، لكن عطيّة كان قد (تشّن) في الضُّل.. (تشّنْ) هذه، عسيرة الهضم، حتى لو شرحناها لقيادات قحت الثورية.. المهم، الراجل خبط باب العزّابة مرة ومرتين وتلاتة، فلم يأتيه غير صوت ودْ سِتْ البَنَات من فناء البرندة: الزّول منو؟
لم يتيأس، بل ظلّ يدُق ويدُق وهو يصيح: يا زول أمرُقْ تعال، أنا الشُّغُلْ، أنا الشُّغُلْ….!
هذا النداء: (أنا الشُّغُلْ) لأهل التَّغرِيدة،، لِمن دخلوا القصور، لِمن يحلمون فيها بتبرُّج شعارات الحرية والتغيير عِندَ خشم الباب!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله