علي كل/ محمد عبدالقادر .. الراجحي.. على مسؤوليتي الشخصية (1 – 2)

(على مسؤوليتي الشخصية) كانت هي العبارة الخالدة التي نَطَقَ بها (الشيخ سليمان الراجحي) رئيس مجلس إدارة شركة الراجحي الدولية للزراعة والاستثمار وهو يرفض تقريرا أعدّته لجنة مُختصة يوصي بعدم الاستثمار في السودان.
اللجنة الفنية المُختصة المُكوّنة من زراعيين واقتصاديين وخُبراء، بينهم سُودانيون في مجالات مُتعدِّدة لم تَأتِ بجديدٍ وهي تدفع بدراسة في العام 2005 تُعدِّد مخاطر الاستثمار في السودان، وتجعل منه مغامرة غير مأمونة العواقب، نظراً لعدم الاستقرار السياسي، وتذبذب سعر الصرف، وتقاطُع القوانين والتّشريعات بين المركز والولايات، وضعف حماية الدولة للمُستثمرين، إلى جانب المخاطر المُرتبطة بعدم تفهُّم مُجتمعات محلية للأنشطة الاستثمارية .
أسباب أخرى كثيرة بالطبع جعلت اللجنة الفنية تُوصِّي بعدم ملاءمة السُّودان للاستثمار، وتعتبر الأمر مُغامرة تنطوي على تبعاتٍ خطيرةٍ لا يحتملها رأس المال بمنطق الآلة الحاسبة الذي يرفض الخسائر بالطبع مَهما صغرت، ويبحث عن الوضع الآمن لتعظيم المكاسب ومُضاعفة الأرباح .
لحظتها كان القرار الذي يُؤكِّد أنّ الإقبال على الاستثمار بمَحَبّة يفعل المُستحيل، فقد حَزَمَ (الشيخ سليمان الراجحي) أمره، وأبلغ الشركة أنّه سيخوض المُغامرة (على مسؤوليته الشخصية)، وفاءً لجميل السودان الذي أحسن أبناؤه العطاء وكانوا سَبَبَاً في نجاح المشروعات الزراعية بالسعودية، حيث جعلوا منها جنةً خَضراء يتدفّق رزقها الحلال عن حاجتها، وتفيض خيراتها على ساكنيها بفعل سواعد الأُسود السُّمر من السُّودانيين الذين سادوا قديماً ومازالوا يسودونا.
أبلغ الشيخ الراجحي اللجنة أنّ في قلبه مَحَبّة للسودان وشعبه لن تخرجه خاسراً حتى وإن فَقَدَ ثروته بحسابات المال والأعمال!!
الخميس الماضي يمّمت مع مجموعة من الزملاء الصحفيين شطر ولاية نهر النيل، إذ أتاحت لنا (طيبة برس) بقيادة الأستاذ محمد لطيف، سانحةً طيبةً لزيارة مشاريع الراجحي في بربر، حيث تستثمر الشركة في زراعة القمح والأعلاف وتُقيم مصنعاً لتحسين التمور، ومشروعاً لتسمين الأبقار والعُجُول، والعديد من الأنشطة المُرتبطة بخدمة الإنسان وفلاحة وإعمار الأرض.
أحسنت شركة الراجحي لـ(خمسين ألف فدان)، كان الصالح فيها للزراعة ما نسبته (40%) فقط، بينما احتاجت المساحة المُتبقية لإصلاحات كثيرة حتى تستطعم نبض البذور وتدخل خدمة الإنتاج الزراعي.
فعلت الشركة ما يفوق الخيال وبسواعد سُودانية (100%), وتمكّنت من استغلال حوالي (80%) من المساحة الكلية حتى الآن، أحالت الأرض هناك إلى سُندُس أخضر يترامى على مَدّ البصر ويجعلنا نقف رأي العين على اللوحة التي رسمها شعراً أستاذنا محمد المكي إبراهيم: (الحقول التي اِشتعلت قمحاً ووعداً وتمني).
أحسن الراجحي للأرض، فأحسنت إليه وإلينا، بادلته وفاءً بوفاءٍ، فقد أجزل لها عطاء المُحبين فاستوت ونَبَتَت ورَبت وأثمرت حصاداً بهيجاً يسر الناظرين، أظنه يغيظ من أنكر وفجر، ويعجب الذين يؤمنون بالقضاء والقدر!!
الراجحي قصة نجاح مُوحية، مَملوءة بالعِبر والتحديات والأخلاق، بالإمكان أن نُقدِّمها لكل العالم كنموذجٍ مُشرفٍ للاستثمار في السودان، تجربة مَسكونة بالكثير من أشواقنا للأرض التي تُعطي ولا تَخُون، لقُدرتنا على الاكتفاء والإنتاج، وكف أيدينا عن سؤال الناس أعطونا أو منعونا.. هي تجربة موصولة بقيم وفضائل وتحديات وميزات وعقبات نذكرها غداً حتى لا يفقد الشيخ سليمان الراجحي رهانه على السودان، الذي قَبِلَ أن يستثمر فيه (على مسؤوليته الشخصية).. فجزاء سنمار لا يُليق بالرجل!!.

اليوم التالي

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله