إليكم/ الطاهر ساتي .. ثورة الخميس!!

:: لو استخدم المجلس العسكري سُلطة الشرعية الثورية، فان حل المسمى – سابقاً – بحزب المؤتمر الوطني ومُصادرة أصوله ومقاره وشركاته لصالح الدولة، ما كان بحاجة إلى كل هذا العناء، وما كان بحاجة إلى كل هذا الانتظار والترقب ومواكب الثوار.. وغير فرصة الشرعية الثورية التي أهدرها المجلس العسكري، فمنذ المفاصلة وسيطرة الرئيس المخلوع على مطابخ القرار، تحول المؤتمر الوطني إلى (خيال مآتة) و(جنازة بحر)، ولما وجد باكياً لو تم حله عبر البيان الأول للمجلس العسكري!!
:: ومع ذلك، فان حل المؤتمر الوطني يجب ألا يكون غاية في حد ذاته، لأن الهدف المعلن للثورة ليس الانتقام، بل تفكيك دولة الحزب ثم تأسيس دولة المؤسسات التي تقف على مسافة واحدة من كل الأحزاب.. أي حل المؤتمر الوطني يجب أن يكون مجرد وسيلة – أو آلية – لتفكيك دولة الحزب، وتغييرها بدولة المؤسسات التي تستوعب وتدير كل أنواع التنوع.. وعلى سبيل المثال، عندما يعجز وزير الإعلام والثقافة عن إصلاح قطاع الإعلام، ويظل أسيراً لقيود المسماة بالقوانين، فإن هذا يكشف المتاريس التي تقف أمام تأسيس دولة المؤسسات.
:: وكل الوزراء، لا تتجاوز سلطاتهم مساحات مكاتبهم، لأنهم ينفذون قوانين النظام المخلوع.. ويبقى أمل الخروج من هذا المأزق في قانون تفكيك نظام الإنقاذ، ثم القوانين الأخرى التي بشَر بها وزير العدل مساء الخميس الفائت.. فالمادة (16)، بالوثيقة الدستورية، تحدد سلطات رئيس مجلس الوزراء بالنص: (تعيين وإعفاء قادة الخدمة المدنية ومراقبة وتوجيه عمل أجهزة الدولة بما في ذلك أعمال الوزارات والمؤسسات والجهات والهيئات العامة والشركات العامة والشركات التابعة والمرتبطة بها والتنسيق فيما بينها وفقا للقانون).
:: (وفقا للقانون)، هي أخطر نصوص الوثيقة الدستورية.. وهي تعني أن أي وزير لا يملك سلطة إدارة الهئيات والمجالس والصناديق التابعة لوزارته، بل هذه سلطة رئيس الوزراء.. وللأسف حتى سلطة رئيس الوزراء ليست مطلقة، بل مُقيّدة بالقوانين التي تحكم الهيئات والمجالس والصناديق.. وكما تعلمون، لقد تم تفصيل قوانين الهيئات وغيرها حسب مقاس (التمكين).. ولذلك كان لا بد من تفكيك دولة التمكين بـ(ثورة الخميس)، وهي إجازة قانون تفكيك نظام الانقاذ وإزالة التمكين ثم التبشير بالقوانين الأخرى.
:: وعليه، فالثورة – بوعي الشباب ويقظة المؤسسات العسكرية – لم تسقط النظام والدولة معا، أو كما فعلت بعض ثورات الربيع العربي، ولكنها أسقطت نظام الحُكم، وتسعى إلى إصلاح الدولة.. والأصح هي ثورة تسعى إلى تأسيس الدولة، والنجاح في إصلاح خراب الثلاثة عقود يعني ميلاد (دولة جديدة) ومتفق عليها.. وكما صبر الشعب في امتحان الثورة، وفي امتحان تشكيل حكومة الثورة، سوف يصبر أيضا حتى تصل الثورة منتهاها ومبتغاها، أي حتى تكتمل عمليات إصلاح الدولة.
:: ولكن، لصبر الشعب شروط، ومنها أن يرى الأعمال ثم يشعر بالتغيير الإيجابي يومياً.. فالحكومة تشكلت بمعرفة ومسؤولية، واستغرق التشكيل وقتا طويلا، لاختيار الكفاءة ولتجويد إدارة التنوع في بلادنا، بحيث تجد كل الأقاليم ذاتها في مطابخ صناعة القرار، ومع ذلك فإن الوصول إلى التغيير المرتجى بحاجة إلى كثير جُهد وصبر.. فالتغيير المرتجى يعني أن يحل السلام محل الحرب، ليعود النازح واللاجئ إلى ديارهما، ولتحمل السواعد معاول الإنتاج والأقلام بدلا عن القنابل والمدافع.

السوداني

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله