الخمسة وذمتا/ محمد أزهري .. الشرطة كالماء!

1
لا أنسى كيف شحذ “الحمري” همم زملائه وهو يدخل يمناه في جيب بنطلون كاكي الشرطة الملطخ بالطين، ويخرج منه عشرات الجنيهات وقت أن كانت العشرة جنيهات ذات قيمة، لم ينتظر “الحمري” كثيراً لتنهال عليه الجنيهات من زملائه حتى فاقت المبلغ المطلوب لإجراء فحوصات طبية لسيدة حبلى داخل المستشفى السعودي بأم درمان بعد أن أنقذوها من داخل مرحاض وأسعفوها على جناح السرعة.
المشهد أعلاه موقف لرجال شرطة النجدة، و”الحمري” هذا كان حكمدار الدورية أتمناه بخير، وقتها كنت قد رافقتهم إلى منطقة دار السلام لإنقاذ سيدة سقطت داخل مرحاض، أنقذوها وأسرعوا بها إلى المستشفى السعودي وأشرفوا على عملية إسعافها ونسبة لسرعة الدورية في نقلها رافقتها والدتها فقط ولم يكن معها مبلغ الفحوصات فتصدى حكمدار الدورية للمهمة و (دق شيرنق) مع زملائه في موقف جسد مقولة (الشرطة في خدمة الشعب).
2
قبل شهور طلب مني زميل مساعدته في استخراج جواز سفر في (يوم واحد) لظروف سفر طارئة جداً، وطلبه كان بحكم علاقتي مع الشرطة، أرسلته إلى مساعد شرطة يتبع لمرور مجمع السجانة، صديقي “مجدي محمد أحمد”، لم أخطر مجدي مسبقاً بل قلت لزميلي أذهب وقل له (من طرفي)، تردد في بادئ الأمر لكنه مضطر، منتصف اليوم الثاني وردني منه اتصال غلبت عليه الدهشة حتى تخليته ينحني شكراً وتقديراً لتعامل مجدي الراقي، وزادني أن الشرطي “مجدي” دفع له جزء من رسوم من جيبه وهنا كمُن سر الدهشة وعظيم الإدهاش وختم (والله الشرطة دي فيها رجال عديل كدا).
3
الموقفين المشرفين أعلاه نموذج أو (عينة) لعشرات المواقف التي وقفت عليها بنفسي ومئات الحالات التي رصدتها، وآلاف الشواهد التي جسدتها الشرطة عبر تاريخها العريق، لكن ربما ينبري لنا البعض ويقول إنها مواقف وشواهد وحالات فردية لا تنطبق على عموم الشرطة، ولهؤلاء نقول إن ما حدث مؤخراً من تجاوزات ومخالفات من أفرادها، أيضاً تصرفات فردية لا تنطبق على عموم الشرطة، ولم تكن بتوجيهات من قيادتها وهذا بلا شك، لأن الشرطة مهما بلغ بها الاستفزاز والغبن فإنها حتماً لن تعادي شعبها التي أقسمت على حمايته.
4
الحملة الشرسة التي واجهتها الشرطة وما زالت، هي حملة لا تخرج من احتمالين لا ثالث لهما الأول إما أن تكون ممنهجة تقف ورائها جهة خفية لا تريد للبلد الاستقرار وتسعى لإحداث الفوضى والدمار، أو أنها حملة عشوائية بدأها (مغبون) وسار خلفه الأغبياء والجهالة عبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى خرجت بهذا الشكل الكثيف، الذي بلا أدى شك أثر وسيؤثر على الحالة النفسية لأفراد الشرطة لأنهم في النهاية بشر يتأثرون بما يثار حولهم.
5
إذا اعتمدنا الاحتمال الأول للحملة فإن المخططون لها فشلوا في اختيار التوقيت المناسب لسبب بسيط وهو أنها انطلقت في وقت تشهد فيه شرطة ولاية الخرطوم تحديداً حالة استعداد مائة بالمائة منذ فترة، إذ يعيش ضباطها وجنودها الأمرين فتحولت إداراتهم ومكاتبهم ودورياتهم منازل بديلة تاركين خلفهم أبنائهم وابائهم وأسرهم بينما ينعم الذين يهاجمون الشرطة بالأمن يبثون إحباطهم عبر شاشات هواتفهم وهم على الأرائك نائمون.
6
لا ندافع عن الشرطة من منطلق العلاقات الشخصية، لأننا كثير ما وجهنا لها النقد بل أحيالناً ننشر أخباراً قاسية في حقها كجهاز قومي، عندما يرتكب أحد أفرادها جرماً أو تقصر في آدا واجبها، ونذكر ذلك باسمها دون تردد في وقت نحجم عن ذكر اسم القوات النظامية الأخرى مثل الجيش والدعم السريع والأمن في حال اتركب أحد أفرادها جريمة، ونكتفي بذكر (نظامي) أو (جهة نظامية)، وللأمانة لم تتذمر الشرطة يوماً أو تظهر ردة فعل قاضبة تجاهنا بل تسارع في حسم الأمر داخلياً، ولم يتغير تعاملنا معها كشركاء في التوعية الأمنية، بل ندافع عنها كجهاز سوداني قومي همه الأول حفظ الأمن الداخلي وحماية أرواح وممتلكات المواطنين.
7
علينا جميعاً أن نحمي الشرطة من أيدي الجهلاء وعبث الطامعين في خلق فوضى (تسرق) النوم من أعين الأطفال ومآقي الأمهات داخل بيوتهم، علينا أن جميعاً أن نساعد الشرطة بالتبليغ الفوري عن كل ما يخالف القانون إذا أردنا دولة مدنية يسودها (حكم القانون)، علينا جميعاً أن نتسامى فوق مراراتنا الشخصية ونحول الغبن النتاج عن نظام بائد كان جاثما على صدر الشعب السوداني (30) عاماً دون رحمة، دعونا جميعاً نرتقي إلى هرم المسؤولية الاجتماعية مع الشرطة لنرى الأشياء على حقيقتها، مع ذلك نطالب قيادة الشرطة بحسم كل يثبت تقاعسه من منسوبيها وطرده لأن الوقت للعمل على حماية المجتمع من مهددات خطيرة.
(8)
لا أحد يكابر لإثبات عدم أهمية الماء في حياتنا، فالإنسان يحتاج للماء على رأس كل ساعة على أسوء الفروض، لكن الشعب السوداني الآن يحتاج للشرطة على رأس كل ثانية على الأقل في هذه المرحلة الحرجة، إذن دعونا نقول إن الشرطة مهمة كالماء في حياتنا يجب أن نساعدها بدلاً عن أن نهاجمها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله