معتصم الشعدينابي/ فضل الله محمد “الأستاذ التلميذ”

ما أقسى أن يطلب منك عزيز ألا تزوره، بل وأن تصد عنه كل من يفكر في زيارته من زملائه وتلاميذه، كانت هذه المحادثة بيني وبين الأستاذ فضل الله محمد هي بداية العد التنازلي وانخفاض درجات العشم في الانتصار على المرض العضال الذي أنهك جسداً قوياً، وبدأ يفعل ما يفعله بروح الأستاذ الذي أصر ألا أزوره حتى لا نرى ما آل اليه حاله، فنضعف ويضعف وهو القوي المتماسك، وقد كان أن اكتفيت بالاطمئنان عليه فقط عبر الهاتف احتراماً لرغبته، لكن عندما بلغ به الألم مبلغا ونقل إلى المستشفى لم يكن أمامه وأمامنا بد من أن نلتقي لنرى ما يؤلمنا ويؤذيه وكلانا عاجز عن التعبير سوى بكلمات محدودة.
زرته عدة مرات وكانت المرة الأخيرة قبيل مغادرتي الخرطوم بيوم وكنت آمل ألا تكون الزيارة الأخيرة ولكن لكل أجل كتاب.
وحالت المسافات المكانية بيني وبين تقاسم الأحزان وتبادل التعازي في فقدنا العزيز الذي رحل بعد معاناة تابعنا مراحلها دون أن نضيف إليه غير مزيد من الشجن الأليم، فشلنا حتى في أن نخفف عنه ما يعانيه من مواجع بسبب تراكم الآلام وتكالب الأمراض التي هزمها بالصبر وهزمتنا فيه بالموت، لتتوسع دائرة الأحزان لدرجة أننا لم نتمكن من حضور حتى مراسم العزاء واكتفينا بمتابعة ما نشر منها من مقاطع على اليوتيوب.
مات أستاذ فضل الله محمد ثالث ثلاثة في صحيفة الخرطوم د.الباقر أحمد عبدالله وابتسام عفان، لتنتهي حقبة طويلة من الشراكة التي كان يربط أطرافها الاحترام قبل شرف المهنة وعقود العمل.
مات الأستاذ فضل الله محمد وهو ثاني اثنين في كار الصحافة وترك رفيقه الأستاذ محجوب محمد صالح ليصبح هو المرجعية الوحيدة للصحفيين و للصحافة التي نأمل أن تستعيد بعض ألقها في هذه الظروف.
لم أعرف فضل الله محمد الشاعر إلا كما عرفه غيري في أغنيات محمد الأمين، لكني عرفت فضل الإنسان والأستاذ فضل الله الصحفي ورئيس التحرير الذي عملت بجانبه لعشر سنوات متصلة في صحيفة الخرطوم، وقد كانت تجربته مبذولة للجميع إلا من أبى بتواضع منقطع النظير، وقطعا هذه المدة كانت كفيلة بأن نتعلم منه الكثير لو لا أننا دائما ما يعوزنا الصبر، ولكن العزاء أن تجربته لا تموت بموته، بل ستظل حاضرة في كل المواقف، وقطعاً ستفيدنا لاحقاً كما أفادتنا سابقا.
ومن أبرز ما يميز الأستاذ أنه متواضع لدرجة تجعلك تقسم أنه لا يعرف نفسه وقدرها، كما أنه أغلق باب الوشاية و(القوالات) بأن اتخذ أسلوب المواجهة أمامه بين الشاكي والمتهم هذا بجانب أنه لم يخلق بينه وبين أصغر محرر أي حجاب أو عازل، ويستمع إليك الأستاذ باهتمام وإصغاء حتى تظن أنه أحد تلاميذك وليس الأستاذ العالم.
تجربتنا مع فضل الله رئيس التحرير لا يمكن التعبير عنها كتابة وإنما سنحكي شفاهة وفعلاً متى ما سمحت لنا الأيام والمواقف والتجارب، فالأستاذ باق فينا بأقواله ومواقفه ما حيينا فله الرحمة والمغفرة ولكل الزملاء أحر التعازي، وقد تجنبت ذكر الأسماء لأن القائمة والقامات أطول مما يتصور الجميع.. لكم التحية الزملاء في صحيفة الخرطوم فرداً فردا وتعازينا لكل الوطن العزيز.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله