تعيينات وترقيات البرلمان.. تجاوزات حبيسة الأدراج !!

تقرير: مرتضى أحمد

لم تكن مسألة تعيين الدكتور عبد الماجد هارون مستشاراً لرئيس البرلمان، بالحادثة الوحيدة مثار الجدل القانوني واللائحي داخل أروقة المؤسسة التشريعية، فهناك هيكل وظيفي تم اعتماده مؤخراً يحظى بجدلٍ مكتوم، خاصة في أعقاب تقرير أصدرته لجنة تحقيق خاصة أثبت وجود تجاوزات في تعيين وترقية موظفين بالأمانة العامة للمجلس الوطني. 

فتقرير لجنة التحقيق وما حمله من مخالفات صارخة للقوانين واللوائح، ظل حبيس الأدراج لشهور رغم صيحات عشرات الموظفين الذين تظلموا الى رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر ضد الهيكل الوظيفي الذي أعدته لجنة ترأسها نائب رئيس المجلس الوطني بدرية سليمان، مما دفع الكثيرين إلى التنبوء بأن قيادة المؤسسة التشريعية تريد دفن هذه القضية من واقع تأخير حسمها. 

تقرير حبيس الأدراج:

تقرير لجنة التحقيق الذي حصلت عليه “الأخبار” طعن في الأسس والمنهج الذي اتبعته اللجنة البرلمانية في عملية الترقي وتعيين نحو (18) من السكرتيرين الخاصين في وظائف ثابتة مما يخالف لوائح المجلس الوطني المنظمة لهذه العملية. وأوصى تقرير اللجنة الصادر في 1 يوليو 2017 بتجميد التسكين برمته أو المعالجة في إطار اللجنة السابقة رغم العيوب، ووافق رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر على التوصية الثانية الا أنه ظل حبيس الأدراج ولم ينفذ بعد رغم انتظار المتظلمين. 

أصل الحكاية: 

في منتصف 2017م أقرت لجنة التسكين برئاسة بدرية سليمان هيكل تنظيمي للعاملين بالمجلس الوطني تضمن تعيين أقرباء مسؤولين في درجات متقدمة وترقية موظفين وتجاهل آخرين رغم أحقيتهم وشمل الهيكل تعيين السكرتير الشخصي لرئيس البرلمان بالدرجة السابعة في مدخل الخدمة وتعيين شقيقة قيادية بالبرلمان في الدرجة الخامسة (مدخل خدمة) في سوابق خطيرة وتحدٍ للقوانين واللوائح المنظمة للتوظيف والترقية للعاملين بمؤسسات الدولة. 

وفي مفارقة محزنة بدلاً عن نبذ ما حدث من تجاوز انبرى في الدفاع تعيين سكرتيره الشخصي، وتحدث بكلمات غاضبة خلال مؤتمر صحفي قبل عدة أشهر، فهي كلمات لا تنسى وستظل باقية يذكرها التاريخ عندما قال: “سكرتيري عندو ماجستير وعايز يسجل للدكتوراة الدرجة السابعة ما كتيرة عليه” وتجاهل عمر وقتها تساؤلات الصحفيين بشأن ما تردد بشأن تعيين شقيقة بدرية سليمان في مدخل الخدمة بالدرجة الخامسة.

لجنة تظلمات: 

وأثارت الممارسات التي تضمنها الهيكل غضب بعض العاملين بالمجلس الوطني وقتها، وسارعوا بتقديم تظلمات الى رئيس البرلمان ضده والذي شكل بدوره لجنة للنظر في تلك التظلمات برئاسة بروفيسير إسماعيل الخليفة التي فرغت من أعمالها وقدمت تقريرها منذ 1 يوليو 2017م لكنه ظل في الأضابير ولم يجد طريقه للتنفيذ ليجد الطريق معبداً الينا في وسائل الإعلام كنتيجة حتمية. 

تطلمات لم تر النور:

وقال التقرير الرسمي إن جملة التظلمات المقدمة للنظر بلغت (59) تظلماً جرى تصنيفها حسب الدرجات الوظيفية، لافتاً الى أن لجنة بدرية سليمان تجاهلت تسكين (16) موظفاً في درجات  أعلى رغم استيفائهم لشروط التسكين، وأوصى التقرير بتسكين (26) موظفاً آخرين في درجات أعلى نسبة لاستيفائهم الشروط وجرى تصنيف التظلمات حسب القرير الى تظلم في تخفيض الدرجة والمطالبة بدرجة أعلى رغم الاستفادة من الترفيع والمطالبة بالترفيع لدرجة أعلى، وأكد التقرير أن مجمل الطعون اتفقت على معارضة المنهج الذي تم به التسكين بوصفه بالضعف وافتقاره للدقة التي تمكنه من تحقيق العدالة في تقييم العاملين وذلك بإيراد المقارنات مع رصفائهم، وأن مجمل الطعون تطالب بالترفيع أسوة بمن تم ترفيعهم استناداً الى خبراتهم وتأهيلهم وأدائهم. 

ملاحظات التسكين: 

وفي مطلع تقريرها أبدت لجنة النظر في التظلمات ملاحظات حول عملية التسكين بعد أن تبين لها أن كافة التظلمات تأسست نتيجة تطبيق نظام وظيفي مخالف لما نص عليه التشريع المعتمد (لائحة شروط خدمة العاملين بالأمانة العامة) وقامت بدراسة مرجعية وقانونية النظام وما ترتب على تنفيذه من مظالم، وقال التقرير إن لجنة التظلمات قامت بمراجعة لائحة شروط خدمة العاملين بالأمانة العامة للمجلس الوطني وقانون الخدمة المدنية القومية ولائحته التنفيذية لم تجد ما يشير إلى حكم أو إجراء أو إشارة للتسكين، فهو إجراء تنظيمي يقصد به عملية نقل وظائف معتمدة قانوناً من سجل خدمة سابق إلى سجل خدمة جديد وتتم في إطار وضع قانوني مستمر للعامل وللوحدة ولا يترتب عليه تغيير في درجة أو شروط خدمة  العامل. 

عملية كبيرة: 

وأوضح التقرير أن عمليات التسكين الكبيرة تتم عادة عند حدوث تغييرات أساسية في الهياكل التنظيمية والوظيفية وللوحدات نتيجة للتغييرات في تصميم وترتيب سجلات ومقررات الوظائف (بمعنى أن التسكين هو إجراء إداري تقوم به إدارات شؤون العاملين بالوحدات لاستكمال وتنظيم موازنة الوظائف حسب نظام سجلات الوظائف) الأمر الذي لا يتطابق مع ما فعلته لجنة بدرية سليمان التي تجاوزت هذه المفاهيم والأسس ونبه التقرير إلى أن ربط لجنة بدرية التسكين بترفيع الوظائف يتطلب العودة إلى لائحة شروط خدمة العاملين بالأمانة العامة بالمجلس الوطني، فهي حددت أسس وإجراءات التقدم الوظيفي في الباب السابع الخاص بالترقيات بشكل تفصيلي يحظر تطبيقه والالتزام به أي تدرج الوظيفة الأعلى إلا عن طريق الإجراءات المحددة.

نظم أخرى: 

ونبه تقرير لجنة التظلمات الى أن التشريع السوداني حدد نظماً أخرى للتدرج تتمثل في مشاريع فك الاختناقات الوظيفية التي سيتم فيها ترفيع الوظائف للمستحقين بصفة شخصية وتعود الوظيفة لدرجتها الأصلية عند خلوها لأي سبب من الأسباب والتطبيق في هذه المشروعات ليس لديه أي انعكاسات تنظيمية أو وظيفية حيث تحتفظ الوظيفة بوصفها الوظيفي في درجتها الأصلية ويكون التغيير في الأجر والمخصصات فقط وهو أقرب للترقية النقدية، بينما يتمثل النظام الثاني في الترفيع تضمنته القرارات من السلطات المختصة التي تحدد الترفيع عند الحصول على بعض الشهادات المهنية مثل زمالات المحاسبين وما يعرف بكوادر الاختصاصيين للمهن التطبيقية، وهو ما لم يتوفر في الذي قامت به لجنة بدرية سليمان.

خلاصة التجاوزات: 

وخلصت لجنة النظر في تظلمات للعاملين بالبرلمان – حسب التقرير الذي حصلت عليه (الأخبار) إلى أنه ليس هناك سند قانوني لعملية التسكين التي تمت بالأمانة العامة للمجلس الوطني وأن التطبيقات التي تمت في تنفيذها تخالف كل الأحكام الإجرائية والاشتراطات الخاصة بالترقيات، إضافة إلى مخالفتها للأحكام الخاصة بعدم جواز تخفيض الدرجة الوظيفية.

تجاوز التشريع: 

وقال التقرير إن لجنة التسكين التي رأستها نائب رئيس البرلمان بدرية سليمان، تجاوزت التشريع المنظم للعمل بالأمانة العامة في توصيتها بتسكين أفراد السكرتارية الخاصة في وظائف ثابتة بهيكل الأمانة العامة علماً بأن هذه الفئة من الوظائف تنص اللائحة على استيعابهم على أساس الوظائف الشخصية التي تنتهي بانتهاء خدمة الوظيفية العاملة معها وتنوه (الأخبار) في هذا السياق أن لائحة البرلمان تجوز لرؤساء اللجان ونوابهم تعيين سكرتيرين خاصيين تنتهي وظيفتهم بانتهاء وعمل رئيس اللجنة ونائبه ولكن لجنة بدرية سليمان قامت بتعيين هؤلاء السكرتيرين المقدر عددهم بالعشرات في وظائف ثابتة وهو ما أكدت لجنة مراجع التسكين مخالفته للائحة.

طعن في المنهج: 

وطعن التقرير في المنهج ومعايير التقييم التي استندت عليها لجنة بدرية، حيث قامت الأخير باستفتاء العاملين عبر استمارات ووضعت معيار مئوي بناء عليه زي تسع رتب بنسبة و55% للمؤهل العلمي والخبرة العملية، بينما حددت 45% من المعيار المئوي للتسكين الى عناصر القدرة على تحمل المسؤولية القدرة على التواصل مع الآخرين والعمل بروح الفريق وسرعة الاستجابة والحالة الصحية والمظهر العام، التدريب.

وأوضح التقرير أنه تم إعطاء الوزن في التقييم لعنصري التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية ولكن النظام الممارس في التشريعات الحاكمة للخدمة المدنية والتشريع الخاص بالأمانة العامة كان يعطي درجات المؤهل العلمي 20% من التقييم الكلي، وهو منهج قصد منه أن يقوم التقييم ويرتكز على الأداء الوظيفي الذي أعطى 70% من التقييم الكلي ولم يبين المنهج العائد أو النتيجة المتوقعة من إضعاف عنصر الأداء الوظيفي لحساب التأهيل العلمي.

توضيح مهم: 

ويبن التقرير أن الخبرة العملية تستخدم عادة في عمليات الاستيعاب الابتدائي حيث يتم على ضوء حساباتها تحديد الدرجة والأجر وفي حالة العاملين بالأمانة العامة فإن ترتيب خبراتهم السابقة يتم التعامل بالنسبة لخبرتهم داخل الأمانة العامة تعيياً ابتدائياً (مدخل خدمة) وينتفي حساب خبراتهم السابقة ويتم التعامل بالنسبة لخبراتهم داخل الأمانة العامة بما يعرف بالأسبقية في التعيين أو في الدخول لأي من الدرجات الوظيفية وأعطيت هذه الأسبقية مقدار 10% من إجمالي التقييم، وتم هذا الأمر أيضاً بحسب التقرير- بمفهوم تعظيم درجات الأداء الوظيفي.

ورأت لجنة التظلمات، بحسب ما أورده التقرير، أن عيوباً أساسية صاحبت منهج وأسس التقييم الذي استخدمته لجنة التسكين، الأمر الذي أدى الى فشل البرنامج الذي نفذته لجنة التسكين التي ترأسها بدرية سليمان في تحقيق العدالة والرضا الوظيفي بين العاملين،على نحو ما تسعى برامج الخدمة المدنية.

أعمال التسكين:

وذكر التقرير أن منهج الترفيع أو إعطاء الدرجة الأعلى ارتبط (لكل من تحصل على درجات تقييم أعلى من 80 درجة) عند تنفيذ التسكين بتحديد عنوان الوظيفة التي يتم عليها التسكين، الأمر الذي جعل عملية التسكين تستخدم ذات الأدوات القديمة والتي كانت سبباً أساسياً لعملية إعادة التنظيم التي بدأت بالهيكل الوظيفي والتنظيمي ثم التسكين. وقال التقرير إن عدد الدرجات التي رفعت بالخصم حوالي 36 وظيفة ولم يتم التحديد الدقيق لمسميات الوظائف كما ينبغي، بينما توجد 4 حالات تم تسكينها في درجات أقل من درجاتهم الوظيفية وهو أمر يتعارض مع التشريع المنظم إذ أشار إلى عدم جواز تخفيض درجة العامل الا وفاءً لقرار محاسبة أو تصحيح لخطأ قانون.

خلط مفاهيم: 

ولاحظ التقرير أن لجنة التسكين قد خلطت بين مفهوم التسكين، ومفهوم التعيين أو الاستيعاب والذي يتم عادة بعد تغيير الوضعية القانونية للمنشأة كما في حالة حل أو إلغاء المصالح الحكومية، وهو ما لم يحدث في حالة العاملين بالأمانة العامة للمجلس الوطني.

واعتبر التقرير أن التظلمات التي اطلعت عليها اللجنة مشروعة بمفهوم أنها قدمت في المقابل إجراءات وتطبيقات للترفيع وتحديد مواقع عمل للعاملين لا توجد في نظريات وتطبيقات العمل الإداري ما يسندها، لافتاً إلى أن التسكين الذي تم بالأمانة العامة للمجلس الوطني تتعارض تطبيقاته مع الأسس القانونية في تنظيم وترتيب الوظائف المعتمدة، مشدداً على ضرورة البت في التظلمات في ظل الملاحظات والتحفظات التي وردت في التقرير الذي اعتبرته سيؤدي الى تعقيدات في الهيكل الوظيفي والتنظيمي.

حلول للقضية:

ورأت لجنة النظر في التظلمات أن القضية تعالج من خلال مسارين، أولهما، تجميد التسكين الذي تم لكافة العاملين بالأمانة العامة بالمجلس الوطني باعتباره كأن لم يكن وإصدار القرارات اللاحقة التي تعالح فترة تنفيذه، بجانب العودة الفورية للوضع الوظيفي بالنسبة للعاملين قبل تنفيذ التسكين، على أن يتم حصر جميع الوظائف الشاغرة بالأمانة العامة في كل الدرجات وتحديد الحدود الدنيا من متطلبات شغل الوظيفة، بالإضافة إلى تصنيف الوظائف وتحديد واعتماد مسارات التنافس للتخصصات المختلفة وحصر التقدم في إطار المسارات الوظيفة، فضلاً عن إعمال كافة الأسس الإجرائية في لائحة شروط خدمة العاملين لتشكيل لجان للترقيات والبدء في إجراء عمليات الترقيات حسب الأسس المعتمدة بلائحة شروط الخدمة. أما مسار الحل الثاني، بالنسبة للجنة، أن تتم معالجة مشكلة المتظلمين في الإطار الذي سلكته اللجنة السابقة رغم ما شابه من العيوب لكي يتم التسكين وفقاً للمعايير القانونية.

رفض التنفيذ: 

فيما علق رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر على تقرير اللجنة بأنه يوافق على توصيات اللجنة التي ذكرت في المسار الثاني واعتبرها (الأسهل) ووجه الأمين العام باتخاذ الإجراءات اللازمة، الا أن الأخير تمنع عن التنفيذ رغم مرور قرابة العام عليه، الأمر الذي لم يعفِ رئيس البرلمان نفسه في تجاهل متابعة قراراته وتوجيهاته ما يجعله شريكاً أصيلاً في عملية التراخي والتماطل في حسم هذه التجاوزات وجبر ضرر العاملين المتضررين.

صحيفة الأخبار

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *