آراء

شريف حسن شريف/ الإتصالات .. واذا المؤدة سئلت !!

بالطبع المقصود من خطوة إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي للحكومة على مختلف مستويات الحكم، كما هو مفهوم ومعلن ،العمل على تقليص أجهزة الحكم ،وبالتالى تقليل الإنفاق او الصرف العام، وذلك بعمليات الغاء ودمج للوزارات ومؤسسات الحكم، نجم عنها تقليص الوزارات الاتحادية، لتصبح واحد وعشرون وزارة ، بدلا عن واحد وثلاثون، واستعيض ببعض الوزارات التى لم تدمج مع أخرى، بالإعلان عن تشكيل مجالس لها او مفوضيات.

ومن واقع التجربة والمعايشة، سأركز حديثنى هنا على دمج وزارتى الاعلام والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وكما هو معروف تاريخا ان هاتين الوزارتين شهدتا عمليات انفصال ودمج متكررة خلال العقود الأخيرة فى عهد الإنقاذ ، بذات المبررات المسنودة بالحديث والانتقاد المتكرر حول ترهل الجهاز التنفيذى لدولة يقعدها العوز والفقر وتتناسل فيها الوزارات بالانبثاق بدوافع تسويات او وفاءا باستحقاقات ومحاصصات سياسية لإضفاء تنوع وتعدد للشراكة فى إدارة الهم العام للوطن، وهى حسابات بالمقارنة بين الصرف على جهاز تنفيذي مترهل، مقابل استقرار أمنى واتهام بالانفراد بالسلطة، فى ظل وطن مشتعل الأطراف معادلة لها مايبررها، حتى بمقتضى الحسابات المادية حيث لا مقارنة بين ما تتحمله الخزينة العامة من صرف على الحروب، وماينفق على عدد اضافى من وزارات تم توليف وتأليف مهامها واختصاصاتها، بالاقتطاع من وزارات قائمة أصلا ، والأمثلة فى متاحة ، تجسدت بذات الحسابات فى التعديل الأخير، فى الغاء صورى لعدد من الوزارات، استجابة لضغوط ودعوات الإصلاح السياسي والاقتصادى، التي لا يغيب فى محاولة الاستجابة لها ، موازنة الحرص على الوفاء بمتطلبات اتفاقات سياسية وامنية مع أطراف تخلت عن العنف واستجابت لداعى السلام، اتت مشاركة فى مرحلة انتقالية لها سقف زمنى متوافق عليه حده إنتخابات 2020 م .

كل هذا مقدر ويجب ان نجد فيه العذر لمتخذى القرارات الخاصة بالشكل الراهن للحكومة خاصة على مستوى الجهاز التنفيذى الاتحادى . إلا ان الأمر باعتقادى لم يحالفه الصواب فيما يتعلق بعملية إعادة الدمج والتوحيد لوزارتى الإعلام الإتصالات والأمر الذي زاد وفاقم من جسامة الخطوة، هو الإتيان بطاقم قيادة جديد كليا على منسوبي وواقع الوزارتين ، حيث تم تعيين السادة بشارة جمعة وزيرا للوزارة، مأمون حسن إبراهيم وزير دولة، والمهندس مصطفى عبد الحفيظ وكيلا للوزارة، ولم يتم الابقاء على قيادات الوزارتين فى الحكومة السابقة، بحسبان ان السيد وزير الدولة الحالى رغم جمعه بين الحكومتين فى ذات الموقع ، حيث لم يمضى أكثر من أسبوعين على أدائه لقسم الحكومة الماضية وزيرا للدولة فى الإعلام ، حتى عاد لأداء ذات المراسم فى إطار الحكومة الجديدة.

وباعتقادى ان هذا الإجراء من حيث المبداء سيتسبب، كما هو واقع الآن فى ضياع الكثير من الوقت، حتى يتمكن القادة الجدد من هضم واستيعاب ما عليهم فعلة وانجازة فى ملفات شائكة، وظروفها حرجة لا تحتمل ضياع المزيد من الزمن، وعامل الزمن فى حكومة السيد معتز موسي رئيس مجلس الوزراء القومى عامل حاسم ومهم . فالحكومة بمستويات حكمها المختلفة اتحاديا وولاييا، فى ظل الظروف والمتغيرات وبعض الانفراجات التى تشهدها علاقات السودان الخارجية اقليميا ودوليا، باعتقادى انها فى أشد الحاجة لوزارة إعلام نشطة ورشيقة تضطلع بالدور والمهام الاسترتيجية للاعلام، من التوعية والتبصير والإرشاد والترفيه والتصدى للغزو الاعلامى والثقافى الخارجى بتجويد المحتوى ومواكبة متطلبات العصر من حيث جودة المحتوى وامتلاك ناصية التقنيات.

وتحقيق هذه التطلعات الضرورية له من المهام والتكليفات والتكاليف والمتطلبات، مايقتضى وجود قيادة متفرغة تماما ومسلحة بالامكانات المالية والتقنية والبشرية، من الخبرات والخبراء من القادرين على امتلاك ناصية التقنية وتجويد وتقديم المحتوى الجاذب الذي يحصن المواطن ضد محاولات الغزو والاستلاب ويحسن الصورة الذهنية للسودان خارجيا، وطنا ومواطنا وقدرات ومقدرات وإمكانات وثروات ، بما يعزز ويقوى دوره الممكن والمستحق إقليميا ودوليا . فالاعلام بهذا الدور المرتجى يجب ان يعطى الأولوية فى حشد الإمكانات والطاقات لأنه سلاح العصر وسبب صلاحه ان صلح ومكن. أما الخطاء الأكبر وغير المبرر ، والذي باعتقادى ان القرار فيه كان متعجلا ولم يخضع حتى لحسابات مبررات واهداف الإصلاح، هو الاقدام على إلغاء وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتزويبها فى الإعلام، الذى بالضرورة وكما أشرت أعلاه ان الإهتمام بقضاياه ومشاكله المزمنة فى السودان سيكون على حساب وإهمال قطاع الإتصالات تكنولوجيا المعلومات .

فوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، خاصة فى سنينها الأخيرة بعد فصل مكونات العلوم، المتمثلة فى المراكز البحثية، التى كان تتبع لها فى التشكيل الأسبق للحكومة ( وزارة العلوم الاتصالات) حيث تخففت الوزارة وانطلقت، بعد إعادة إلحاق المراكز البحثية بوزاراتها فى التعليم العالى والبحث العلمى والزراعة والصناعة وغيرها، وشكلت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خاصة فى عهد الوزيرة النشطة د . تهانى عبد الله عطية، ووزيرا الدولة اللذان زاملاها، مهندس الصادق فضل الله، والسيد إبراهيم الميرغنى ، فى إطار المنظومة المتناغمة، على مستوى قيادات الوحدات التابعة، متمثلة فى جهاز تنظيم الإتصالات والبريد، والمركز القومى للمعلومات، والسلطة القومية للمصادقة الإلكترونية، والمركز القومى للبرمجيات، وهى الوحدات التى تشرف عليها الوزارة وتقوم بالادوار المختلفة من حيث وضع السياسات والإشراف والتنظيم لاعمالها مكونات القطاع.

وقد تشكلت للوزارة رغم حداثتها ورشاقة هياكلها ، شخصية قوية، حتى تمتعت على مستوى مجلس الوزراء القومي بعضوية القطاع الإقتصادي بجانب عضويتها الأصيلة فى القطاع الخدمى ، وهى عضوية مستحقة حيث تمكنت الوزارة بتقديم عائد واسهام فى الدخل القومى، يفوق إسهام ودعم وزارات أصيلة العضوية فى القطاع الإقتصادي بالمجلس حيث قدر هذا بما يفوق ال 14% بصورة مباشرة وغير مباشرة من الدخل القومى للبلاد ، وهو عائد مرشح للمضاعقة اذا مامضت الوزارة بذات الوتيرة فى مشاريعها المخططة، ويضاف إلى ذلك دور الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى تعزيز الأمن الوطنى ، وتقوية النسيج الاجتماعى، بالتوسع الجغرافي فى نشر وتجويد خدمات الاتصالات .هذا بجانب الدور الاقتصادى الهام الذي اضطلعت به الوزارة فى تعزيز سلطة ولاية وزارة المالية الاتحادية على المال العام بانفاذ مشروع التحصيل الإلكترونى الذي وفر على خزينة الدولة بجانب مضاعفة الإيرادات ماقدر بمليار دولار من الصرف الإدارى ، ومعلوم كذلك دور المشروعات التى نفذتها وزارة الإتصالات فى تسهيل حياة المواطن بتقديم الخدمات الإلكترونية فى تجاربها الجريئة والناجحة على التعليم والصحة والحج والعمرة وغيرها من الخدمات وأهمها عزمها على تنفيذ القرار الجمهورى الخاص بانهاء التعامل النقدى ( الكاش) مقابل الحصول على الخدمات الحكومية اعتبارا من مطلع العام المقبل ونهاية العام الجارى 2018 م بجانب العزم على إطلاق المزيد من الخدمات الحكومية المضمنة فى دليل الخدمات المعد والمجاز من قبل مجلس الوزراء القومى الذي يحتوى على ( 1940)خدمة حكومية تقدم للمواطن والمقيم على مستويات الحكم المختلفة، ويضاف إلى هذا الخطوة الهامة والإنجاز الأكبر الوزارة المتمثل فى إكمال تسجيل شرائح الهواتف الجوالة ببيانات الرقم الوطنى وربطها بالسجل المدنى وهى خطوة لها دورها الحاسم فى الحد من الجرائم الالكترونية التى يستخدم فيها الهاتف الجوال . كما تتابع وزارة الاتصالات قبل التعديلات الأخيرة خطوات تنفيذ مشاريع إستراتيجية فى القطاع وهى لا تقل فى أهميتها وضرورة التفرغ لها عن مايتطلبه قطاع الاعلام كوزارة للمتابعة والإشراف من قبل وزراء علماء او خبراء على الأقل كما هو الحال لدى د. تهانى الوزيرة السابقة، وهى مشروعات يتمثل أهمها فى امتلاك قمر للإتصالات، وتوطين إنتاج البرمجيات، بجانب المضى قدما فى تعزيز الوجود الفاعل للخبراء الوطنيين فى المؤسسات الدولية والإقليمية القائمة على القطاع، والحضور الدائم فى ماينظم من فعاليات للحصول على حق السودان من فرص ومكاسب من دعم مالى وفنى، من خلال تسنم وتولى المناصب فى مجالس الإدارات واللجان ، الآمر كان قد بدأ يتبلور فى الأعوام الأخيرة، كما لا ننسي دور المشاركة فى المنافسات التى تنظم فى اطار فعاليات المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة فى تعزيز الثقة فى ولدى الكادر السوداني، ولا ادل على ذلك إلا ما حصده السودان من جوائز عالمية فى منافسات مع شركات أمريكية واوربية فى مجال البرمجيات والتطبيقات المختلفة، وأشهرها فوز تطبيق التحصيل الإلكترونى لارنيك ( E.15 ) على مستوى الاتحاد الدولى للإتصالات، وغير ذلك من الإنجازات والاسهامات المشهودة والمؤثرة للخبراء السودانيين فى الإدارة وتقديم مقترحات تعديل القوانين الدولية المخلة فى قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ووجودها القبول والدعم والتأييد.

ومما هو واضح ان مبررات إلغاء وجود وزارة مختصة لقطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ليس له ما يبرره بذات المقاييس والمبررات التى دعت لعمليات الدمج وإعادة الهيكلة للوزارات الاتحادية بل اعتقد ان هذه الخطوة هازمة لهذا التوجه فى الأصل. فرئاسة اصلا ليست فى عداد الوزارات المترهلة، وأن كان الدمج اصلا ليس ذا صلة او تأثير على حجم العمالة . و عليه لا اعتقد ان الصرف على مخصصات وزير ووزير دولة ووكيل لوزارة الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بالأمر عالى التكلفة او يعد اهدارا ، اذا قورن بحجم العائد والمكاسب على مختلف الأصعدة المشار لبعضها، لاستمرار وجود هذه الوزارة . وعلى صعيد الأشخاص فغياب أمثال الدكتورة تهانى ووزير الدولة إبراهيم الميرغنى، يعد خصما حتى على مستوى توجه الإصلاح بجوانبه المختلفة ،وهو رده ، وخط رجعة على طريق النمو والتطورز السريع الذي كان يمضى عليه القطاع ، كما ان فراغ موقع الوكيل الجديد، المهندس مصطفى عبد الحفيظ، فى جهاز تنظيم الإتصالات والبريد، وهو من عداد علماء السودان فى مجال الإتصالات إذ كان يقوم على ثغرة كبيرة فى تمكين جهاز الإتصالات من الاضطلاع بدوره بجدارة، مع بقية الخبراء والخبرات فى التنظيم، وتنزيل السياسات، وقيادة عمليات التفاوض مع مختلف الشركات ذات الصلة العاملة بالبلاد، وهو امر يتطلب حنكة ودربة ومهارات، يمتلكها السيد على هذا المنحى. وعلى صعيد الإدارات العامة فى اطار عملية الدمج بين الوزارتين، فالأمر لا يخلو من عسر وصعوبة فى التجانس، لاختلاف التخصصات ومجالات الخبرات.

فالحال سيظل كالتقاء البحرين بينهما حاجز برزخى ، يحول دون التمازج إلى ان يقضى الله أمرا كان مفعولا. وأخيرا لا اعتقد ان إلحاق المركز القومى للمعلومات برئاسة مجلس الوزراء سيمكنه من كسب السلطة وتعزيز ولايته على أمر المعلوماتية بالبلاد، بصورة أفضل عن ماكان عليه الوضع قبل خطوة الدمج الأخيرة، والشاهد ان أمر تطبيق الحوسبة داخل مجلس الوزراء القومى يغنى عن السؤال. وبالمقابل على صعيد وزارة الاعلام فإن الوضع بالنسبة لوكالة السودان للأنباء، التى أشير إلى الحاقها برئاسة الجمهورية مختلف، وعلى العكس فالخطوة باعتقادى إيجابية على طريق التمكين . إلا ان خلاصة الأمر لا سونا ولا المركز القومى للمعلومات اين ما ذهب بهما الالحاق يتسنى لهما فى القيام بمهامهما الأصيلة ان ينفصل دورهما عن مهام واختصاصات الوزارة الام ، وما سجل من ملاحظات على المرسوم الجمهوري الأخير رقم (42) المحدد للمهام والاختصاصات والوحدات التابعة خير دليل على تعزر إمكانية الفكاك المزعومة هذه.

والله المستعان ،،،

سودان برس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى