آراء

أ. د. هشام عباس/ «عطبرة» قصة الحزن القديمة .. ما البسمنة وكده !!

* كانت عطبرة فيما مضى مدينة كالطفل الرضيع تصحو على صافرات الورش وتنام كما شدى العطبراوي عند العودة مع الظلام من المصانع والحقول .. كانت عطبرة طفل لا يعرف (البامبرز) وعيد الميلاد واحتفالات التخرج من الروضة .. كانت عطبرة طفل تهدهده أصوات القاطرات عند القضبان لتجلب له النعاس كان يميز صوت القطار المغادر فينام على أنغام الرحيل وينتعش عند فتح (السيمافور) ليعلن وصول قطار جديد فتسري في جسد الطفل روح النشاط والعمل.
* خرج القطار ولم يعد من عطبرة .. لم يبحث عنه الناس .. ولم تنشر صوره في الصحف والجدران ولم تنقل الاذاعات أوصافه وترجو ممن يتعرف عليه الاتصال بالمواطن السوداني .. أصبح القطار نعي أليم انتشر دونما عزاء وصيوان وفاتحة.
* خرج القطار وخيّم الحزن عند الملتقى في عطبرة فسقط الدمع من السيمافور والتابلت والبلنجة ورفرفت الرايات السوداء في العموم والورش والمسبك وجاءت اشارات التعازي من الأقاليم والأقسام وعمال الدريسة وناظر محطة (مسمار) والنقابات.
* ذهب القطار من عطبرة وجاءت اليها (اللواري) و (الدفارات) و (القندرانات) وامتلأت أزقتها وشوارعها بالرقشات والأتوس واختفت (عجلات) عطبرة المشهورة ليحل محلها (الموتر) بأنواعها المتعددة ولا تكاد تجد (عجلاتي) في عطبرة فقد تحولت محالهم إلى أماكن لبيع اسبيرات المواتر وصيانتها.
* لا أظن أن جيل الالفينات يتذكر ذلكم الصوت الخالد في محطة عطبرة مسوقاً لسلعة الباسطة (ما بالسمنة وكدة) تجد فيه لون وطعم ورائحة عطبرة حتى أصبح هذا الصوت جزء من احساسك بوجودك في المدينة .. لقد ركب ذلك الصوت مع القطار وأيضا لم يعد حتى الآن.
* ولكن الحياة لابدَّ أن تستمر ولو توقف القطار .. فهنالك طريق التحدي وشريان الشمال وهناك نوع جديد من السفر عبر البصات والسيارات الخاصة وغيرها.
* لا أدري ما سر العلاقة بين (القطار) و (اللوري) .. مازالت تأسرني أصوات اللواري وهي تعلن المغادرة أو القدوم .. أشعر بالاطمئنان لو سافرت (باللوري) أكثر لو استخدمت البصات الحديثة ثمة علاقة بين سائق القطار واللوري فكلاهما في عمر متقدم في أغلب الاحيان ويحتفظا بذكريات واحداث ومغامرات .. أسعد الناس من كان جاره بالحي سائق قطار بالمعاش فسيحكي لك كل يوم قصة جديدة ويخبرك عن أشخاص وأماكن ومواقف .. أما اذا كان جارك سائق لوري ولو لم يكن بالمعاش فإنك بالطبع ستعيش معه كل يوم رواية جديدة وحدث جديد فسائقي القطار واللوري يتفقان في امتلاكهما لتقنيات رائعة من السرد لمخزن من القصص والحكايات.
* ألا تجدون العذر لذلكم البجاوي الذي يستجدي سائق اللوري ليطربه (بالبوري) فيقول في الاغنية الشهيرة (يا لوري عليك الله دق البوري) فدق البوري اعلان بحدوث نبأ سعيد ووصول شخص عزيز تماماً كما خاطب الشاعر المهندس علي محجوب قطار الشوق متين ترحل ترسينا .. نزور بلداً حنان أهلها .. ترسى هناك ترسينا.
* طافت هذه الخواطر في الوجدان وقطار النيل بين عطبرة والخرطوم يواصل المسير رغم العقبات فعادت لمحطة السكة الحديد بعطبرة ألقها القديم فأصبحت ملتقى كما كانت تماماً مثل بيوت الأفراح والمناسبات فتجد فيها صديق قديم لم تسعفك الظروف بمقابلته أو قادم أو مسافر أو مودع.
* ويتجدد في القطار قيم التكافل والتعاون والتعاضد فيعود للسفر الأسري والجماعي المتعة والألق القديم
* لقد أكد قطار النيل قدرة هيئة السكة الحديد على تجاوز الصعاب واستيعاب منسوبي الهيئة للتطورات الإدارية والتقنية فها هي سنوات قد مضت والقطار يعمل رغم الصعوبات ولو انه تراجع كثيرا. وإن كان ثمة اقتراح فهو فتح الحجز ليكون قبل اسبوع فالمسافر لا يستطيع الحجز إلا قبل يوم واحد فقط.
* إن الحفاظ على مستوى الأداء بقطار النيل يظل من أصعب التحديات التي تواجه السكة الحديد في المرحلة القادمة وهذا الأمر يتطلب أيضاً مسؤولية وطنية من مستخدمي القطار.
* عودة السكة الحديد هو عودة البهاء والألق وقيم نحتاجها اليوم.

سودان برس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى