آراء

د. ناصر السر ناصر – إغتيال مدير مشروع سد النهضة .. ما وراء الحدث !

اثيوبيا تلك الامبراطورية الضاربة بعراقتها وحضارتها في عمق التاريخ، والمتوثبة بهمة وعزيمة قادتها ومفكريها نحو غدٍ مشرقٍ يسوده التقدم والرفاهية والاستقرار، تمر في هذه الفترة بمرحلة حرجة في تاريخها السياسي والأمنى، فمنذ أن بدأ هذا المارد الافريقى التحرر من قيود الفقر والجفاف بعد أن نبذ الحروب والصراعات وجنح الى السلم والاصلاح والتعمير، وأسس نظاماً سياسياً راسخاً يتم تداول السلطة من خلاله بسلاسة وانتظام مما حقق استقراراً سياسياً ملحوظاً خلال السنوات الاخيرة، وأسهم فى تحقيق هذه النهضة الشاملة التى تشهدها البلاد، ظلت أثيوبيا تواجه التحديات والازمات المتلاحقة بحكمة وعقلانية بالغة. وبالتأكيد، فإن طريق النجاح لم يكن يوماً مكللاً بالورود كما يقول الحكماء.

فبعد الرحيل المفاجىء لرئيس الوزراء الأسبق ميليس زيناوى وهو الرجل الذى حكم البلاد منذ العام 2000م حتى وفاته في 2012م ولم تخلو فترة حكمه من البطش والاستبداد، الا انه لم يهمل التنمية، ولم يفتح الباب لمتلازمة الفشل المتمثلة في “الفساد، الصراع الاثنى، الصراع الدينى” ، انتخب الائتلاف الحاكم هايلى ماريام ديسالين رئيساً للوزراء، لكن المعارضة التى تقوم على اسس عرقية بحتة لم يهدأ لها بال حتى أشعلت معظم الأقاليم بالاحتجاجات، وتأزمت الأوضاع لتبلغ درجة التفكير في إعلان حالة الطوارى في البلاد، الا أن هذا القائد الملهم آثر الاستقالة التى أُجبر عليها، وآثر ان يكون جزءاً من الحل بدلا عن ان يكون سبباً في دمار البلاد مقابل مكوثه في السلطة كما هو ديدن كل قادة أفريقيا، فاستقال في فيراير 2018 لينتخب الائتلاف الحاكم السيد أبى احمد الذي ينتمى لاثنية الاورومو ذات التاثير الكبير في المعارضة رئيساً للوزراء ورئيساً للائتلاف ابتداءً من مارس 2018م، وأشيع أنه مسلم لكن تقارير لاحقة أكدت أنه مسيحى، وهذا أمر ليست بذى بالٍ في دولة تحكمها الأغلبية الديمقراطية، وليس للانتماء الدينى او القبلى تاثير حسب الدستور.

أتى الشاب أبى احمد محمولاً على بهجة الشعوب الأفريقية به، كونه شاب يقود أكبر دولة في قارة لا تعرف الديمقراطية ولا التداول السلمى للسلطة ويقبع على عروشها شيوخ تسلطوا على حكم بلدانهم منذ الاستقلال الى يومنا هذا.

خلال الشهور القليلة الماضية لحكمه ابدى أبى احمد انفتاحاً كبيراً داخلياً وخارجياً، وأول ما بدأ به هو المشروع الوطنى الأول لاثيوبيا “سد النهضة” فكانت زيارته الاولى الى مصر والسودان لدفع التفاوض المستمر بين الدول الثلاثة حول هذا المشروع، وبالفعل كان لهذه الجولات أثراً كبيراً في الروح التفاوضية وأوجه التعاون.

ويعتبر سد النهضة “أمل الأمة الأثيوبية” لانه المشروع الذي يرجو منه الشعب الذي موّله من موارده الذاتيه أن يخرج البلاد الى رحاب الرفاهية والتقدم، فأثيوبيا التى تمتلك مايفوق المئة مليار متر مكعب من المياه تعانى من الجفاف لأن أكثر من 90% من هذه المياه تتسرب خارج البلاد دون الاستفادة منها.

وعليه فإن حادثة اجرامية مثل مقتل مدير هذا المشروع الوطنى الكبير لا تنفصل عن الواقع السياسي والقومى، وأن ردود الفعل سوف تتوزع في كافة الاتجاهات، واصابع الاتهام تشير الى الداخل والخارج. وبالفعل فقد بدأت التحليلات تشير الى تورط مخابرات الدول المتضررة من قيام هذا المشروع لكن الواقع والمنطق لا يؤيد هذا الاتجاه لعدة أسباب أهمها أن مقتل مدير مشروع لا يمكن ان يوقف المشروع بل ربما لا يؤثر على سير أعماله. ثم أن المشروع شارف على الانتهاء واكتمل التنفيذ فيه بنسبة 65% مما يعنى عملياً أنه اصبح اقعاً معاشاً يجب التعامل معه برشد. وما على مصر والسودان الا التعاون مع هذه الدولة المتفوقة عليهما في كافة المجالات.

فحقيقة الحادثة تبدو واضحة من خلال بيان مفوضية الشرطة الاتحادية التى قالت أنها وجدت المهندس سيمنجو بيكلى مقتولاً داخل سيارته في ميدان وسط العاصمة اديس أبابا اثر اصابته بطلق نارى عند أذنه من الجهة اليمنى وأن السلاح ملقي بجانبه، وأن الشرطة فتحت تحقيقاً واسعاً مع أفراد مكتبه وحول السندات التى كانت بحوزته.

وفي أحدث معلومات عن الحادثة كشفت صحيفة نيويورك تايمز الامريكية أن بيكلى قد حضر الى العاصمة اديس لاقامة مؤتمر صحفي للتنوير حول سير المشروع، وذلك بعد تصاعد الاحتجاج بسبب التاخير في سير العمل، وأن هنالك شبهات فساد في المشروع.

وعليه يؤكد بعض المحللين ان هذه الجريمة لا يعدو أن يكون خلفها جهات ذات صلة بعمل المشروع، وهي انعكاس لصراع داخلى مكتوم بين نافذين او فاسدين، ولا تستبعد الأيادى الخارجية لأن المشروع أساساً تنفذه شركة ايطالية اسمها “سالينى”، وبالتالى فان تشابك وتعارض المصالح بين الافراد والجهات الرسمية قد يؤدى الى أكثر من ذلك.

ومن المؤكد أن المشروع يواجه صعوبات مالية وهو ما انعكس بوضوح على بطء التنفيذ، حيث بدأ العمل في فبراير 2011م وكان من المقرر أن ينتهى العمل ويبدأ الانتاج في 2016م. وفي يوليو 2018م صرح وزير الموارد المائية الاثيوبى أنهم استوردوا عدد 16 توربينات ليتم تركيبها في الايام القامة، مؤكداً أن هنالك صعوبات “كهروميكانيكية” تواجه سير العمل في المشروع، وأن المشروع لن يتوقف بسبب وفاة مديره، لان اثيوبيا التى انجبت بيكلى ايضا ستنجب غيره.

– باحث في الشؤون السياسية والاسترتيجية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى