على كل/ محمد عبدالقادر .. مبروك للسودان.. القادم أصعب!!

لديَّ حساسية عالية من المثل الذي يقول (أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي)، كنت ولا أزال أعتقد أنه محاولة لتبرير التأخير؛ لذا فإن المقبول عندي دائماً كان النقيض تماماً (أن لا تأتي خير من أن تأتي متأخراً)، ولكن في مقام الاتفاق التاريخي الذي حدث في الساعات الأولى من صباح أمس بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، فإنني أميل إلى استحسان (إتيانه متأخراً)، لأن عدم مجيئه كان بالنسبة لي نهاية للسودان، الوطن الآمن المستقر المتماسك. معلوم أن حالة التنافر والتشاكس بين الطرفين تطورت إلى عداء سافر وضع بلادنا على شفا جرف هار، وجعل من المستقبل نفقاً مظلماً تحيطه التوقعات الملغومة والسيناريوهات الخطيرة والمجهولة.
كان صديقي المراقب محقاً حينما شبه ما تم التوصل إليه بحالة مريض تأخر في الوصول إلى الطبيب، وحين أدرك العلاج كانت الأمراض تتمكن من جسده، كل هذا لن يمنعنا من الترحيب بوصول وطننا المتأخر إلى المشفى مع أمنياتنا له بالشفاء ودوام العافية.
أقدار الشعوب مثل مصائر الناس، محكومة بأجل و(لكل أجل كتاب)، غير أنه كان بإمكان الطرفين في المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير التوصل إلى نفس الاتفاق بعد التغيير مباشرة، كانوا سيحقنون الدماء التي سالت في ميدان الاعتصام ويوم الثامن من رمضان وفي مليونية الثلاثين من يونيو، ولكن تطاول المفاوضات في نقطة المجلس السيادي التي كان حلها في متناول الجميع أسال دماءً كثيرة وأزهق أرواحاً عزيزة وأبقى المواطن في نفق المعاناة الطويلة، أما وقد اتفق الطرفان على حكومة مدنية وتوافقا على رئاسة دورية مع إرجاء تكوين المجلس التشريعي 90 يوماً، فإننا نطالب الجانبين بوضع مستقبل السودان بعيداً عن التعصب للانتماءات والأجندة وندعوهما لاستثمار الشراكة الحالية في العبور ببلادنا إلى بر الأمان.
ليس مهماً حصر مكاسب وخسائر كل طرف مما تم الاتفاق عليه، المهم أن السودان كسب وضعاً انتقالياً جديداً وجيداً، يستطيع من خلاله أن يرتب أوضاعه ويدرك حلولاً لمشكلاته التاريخية المعقدة التي أبطأت بمسيرته كثيراً.
المطلوب أن يعمل الجانبان بروح الشراكة المطلوبة، وأن يبتعدا عن التنافس والتناحر والتجاذب والتشاكس، وأن يغلبا مصلحة المواطن الذي يستحق قطف ثمار تغيير دفع لأجله الأرواح والدماء، وقدم كافة التضحيات للحصول عليه بعد ثورة صارت مثالاً يُحتذى في السلمية والفداء.
نأمل في استمرار التفاوض حول ما تبقى من ترتيبات للفترة الانتقالية، التي نريد أن نشهد فيها شراكة بروح وطنية عالية بعيدة عن التشاكس ومحاولة كل طرف إحراج الآخر عبر صناعة الأزمات وزرع الألغام، نبارك للسودانيين الاتفاق جزاء صبرهم، ونأمل أن يرتقي الطرفان إلى مستوى المهمة التاريخية التي تنتظرهما حتى انتهاء الفترة الانتقالية وتسليم السلطة لحكومة منتخبة.

صحيفة اليوم التالي

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله