آراء

حاطب ليل/ عبداللطيف البوني .. تَرجَع بَسْ!!

(1)
كل المُنعطفات التي مَرّت بها بلادنا كَانت سِيَاسيّة بَحتة، فالاستقلال في أول يناير 1956، ثُمّ أكتوبر 1964، ثُمّ أبريل 1985، وأَضِف الى ذلك الانقلابات، كَانَ الهُجُوم على النظام السّابق يقف عند السِّياسة، بمعنى إزاحة الطاقم السِّياسي وإبداله بطاقمٍ جديدٍ ولا أحد يتكلّم عن الجماعة الذين هَبَرُوا ومَلُوا في ظل ذلك النّظام، فالأمر المُؤكّد أنّ أيِّ حقبة سياسيّة كان لها أثرياؤها أي الذين اغتنوا فيها، وهُناك من لَعِبَ على أكثر من حقبةٍ وبدأ ذلك بالاستعمار الذي أَوجَدَ طبقةً رأسمالية من عدمٍ، وكذا كل العُهُود الوَطنيّة.. ويُنسب لنميري القول (الما غِنَى في أيّامي دي ما بيغنى تاني).
فالثراء عبر بوابة السِّياسة لا يحتاج الى درس عصر، ولكن هُناك تَفاوتٌ في حجم هذه البوابة، فهي تضيق وتتّسع على حَسب النظام السِّياسي، ولكن هذا لا يعني أنّ هُناك طبقةً رأسماليةً بت ناس ولم تغتنِ بما افتقر به الفقراء.
(2)
لحُسن الحظ، إنّنا في السُّودان حاجاتنا كلها في السّهلة وأي رأسمالي مصدر ثرائه مَعروفٌ للجار والبعيد ليس هَذا فَحسب، بل بعضنا يُفاخر بالميري، فعندنا أنّ الذي يسرق ملاية أو خروف السماية حرامي “ود لَذِينَ”.. ولكن الذي يسرق ولاية حريف كما جاء على لسان شاعر الأمة السُّودانية الراحل محجوب شريف، فالذي يسرق عتود ينبذ وقد لا يجد من يُزوِّجه، أمّا الذي يسرق الدولة يَتَسَابَقَ الناس عليه (سَجِّل لي عماراتك وسَجِّل لي شركاتك) كَمَا غَنّت البنات، كل هذا وفّـر حَاضنةً للهبر في المال العام وهذه سلبية في ثقافتنا، ولكن بما أنّها تَكشف المُستخبئ وتُيسِّر الوصول الى الهابرين فيُمكن أن تتحوّل الى إيجابية!
(3)
في هذا العَهدِ، وصل الهبر في المال العام أرْقَامَاً فلكيّةً، لأنّ (الفكة) توفّرت من بترولٍ إلى ذهبٍ، فقديماً كانت الشغلانة تتم عن طريق التّصاديق والمَشاريع والإعفاءات والرشاوى، فالآن أصبحت (حديدة).
والشئ المُؤكّـد أنّ هذه الهبة ديسمبر/ يناير أساسها المَسغبة والجُوع الذي تَسَبّبَ فيهما الفساد، والحكومة (بعضمة لسانها) اعترفت بالفساد المهول وهي أول من أطلق على “الهبرو ملو” القطط السمان ولكنها تَلَكّأت في مُحاربتهم و(شتّت الكورة) فكانت ديسمبر/ يناير!
(4)
إذاً، يَا جماعة الخير في ظِل هذا التسيّس العالي لا بُدّ من الالتفات لأمر عشرات المليارات من الدولارات، والتي يُمكن تَخرج السُّودان مِمّا هو فيه من ضَنكٍ، والعمل على إرجاعها بالسُّبل كَافّة.
فسياسيّاً يتحدّث الناس عن عدالة انتقاليّة وأحياناً عن المُصارحة والمُصالحة، فنحن في أشَـدّ الحاجة الى مشروعٍ، الهدف منه كيفية إرجاع تلك المليارات، فالقانون الجنائي وحده لا يكفي، كَمَا أنّ المُفوضيات ومن أين لك هذا قد لا تكفي.. كما أن القلع “أخنق فطِّس” ليس مطلوباً، فالمطلوب شكلٌ من أشكال العدالة الناجزة والحاسمة وغير المُتهاونة.. وإلى حين ذلك فلنرفع شعار (تَرجَع بَسْ)..!!

زر الذهاب إلى الأعلى