آراء

د. أحمد حسن الفانابي يكتب: الطريق الرمادي الي تل أبيب

الحديث الأكثر تداولا هذه الأيام هو التطبيع مع إسرائيل.. والانقسام واضح وسط النخب السياسية والمثقفين (مع أو ضد) .. السودان بموقعه المتفرد بإعتبار بوابة العرب والمسلمين للقارة السمراء والإطلالة الاستراتيجية على البحر الأحمر، الذي تعتبره اسرائيل الحديقة الخلفية لأمنها القومي، وضعه في محور اهتمام إسرائيل حتى من قبل الاستقلال.. هذا بالإضافة لدور السودان ك عضو فاعل في جامعة الدول العربية واسهاماته في تشكيل المواقف العربية المشتركة ولعل أبرز تجلياتها كان مؤتمر القمة العربية أغسطس 1967 الشهير بمؤتمر الاءات الثلاث(لا صلح لا اعتراف لا تفاوض مع العدو)..
الا انه سرعان ما تبخرت في الهواء هذه الاءات الثلاث عام 1973 بتوقيع الرئيس المصري أنور السادات لاتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل.
حتى الفلسطينين أنفسهم تخلوا عنها بتوقيعهم لإتفاقية أوسلو الأولى عام 1993م التي اعترفوا فيها بسيادة دولة إسرائيل على 78% من الأراضي الفلسطينيه ما عدا الضفة الغربية وغزة، وفي المقابل تقر إسرائيل بحق الفلسطينين في إقامة حكم ذاتي فقط في الضفة الغربية و غزة وليس دولة مستقلة ذات سيادة.
علاقة السودانين بإسرائيل كانت سابقة للعرب، حيث التقي الصديق المهدي ومحمد أحمد عمر من قيادات حزب الأمة مسؤولين اسرائلين في لندن يونيو 1954م ومن بعدها استمر التواصل بين حزب الأمة و الكيان الإسرائيلي وهنالك تقارير تتحدث مساعدات مالية منحت لحزب الأمة في هذا الإطار لم يتسنى لنا التأكد من مدى صحتها.
موقف الحزب الشيوعي الرافض لأي نوع من العلاقات مع إسرائيل مفهوم في إتون الايدلوجيا التي تكبل الحزب العجوز من التفاعل مع المتغيرات، فالماركسية اللينينية والصهيونية على طرفي نقيض، وهي نقطة ضعف مشتركة للأحزاب الأيدلوجيه التي تسعى دوماً لتطويع الواقع حتى يكون مواكب للفكرة وليس العكس، لذلك تجد ممارستها السياسية سمتها العامة هي غياب كامل للتفكير و الابتكار و دوماً عاجزة عن التفاعل مع التطورات و المستجدات، علما بإن في إسرائيل نفسها يوجد حزب شيوعي له مواقف مؤثر و متقدمه ضد اليمين المتطرف داخل الكنيست.
الحديث عن التطبيع الي حد كبير مضلل من حيث المضمون . فالتطبيع يعني عودة العلاقات الي طبيعتها في حين انه لم يكن هنالك للدولة السودانية اي نوع من العلاقات الرسمية من قبل مع إسرائيل.. الصحيح هو بناء علاقات جديده مع إسرائيل.. موقف القوى السياسية من هذه العلاقات مع أو ضد (ابيض او أسود) أحيانا قد لايكون مناسب ولا يخدم مصلحة السودان بتوازن، فهو اشبه بالنعامة الربداء تجفلُ من صفير الصافر، دائما هنالك طريق في الوسط (الطريق الرمادي) بحيث تكون هنالك تفاهمات وعمل سياسي مشترك مع إسرائيل دون الوقوع في فخ المصطلحات (التطبيع).
في مؤتمر القمة العربية، بيروت 2002م، قدم الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله المبادرة العربية القائمة على حل الدولتين، بحيث يكون للفلسطينيين دولة مستقلة ذات سيادة جنب الي جنب مع دولة إسرائيل وتعطي فلسطيني الشتات حق العودة، يعتبر الي حد كبير حل مثالي لقضية فلسطين.
اذا توصلت حكومة الفترة الانتقالية الي اتفاق سياسي أو ميثاق يحفظ للفلسطينيين الحق في إقامة دولة ذات سيادة وفي المقابل يعترف السودان بدولة إسرائيل والتعايش معها في سلام دون إلحاق الضرر من اي نوع بالمصالح الإسرائيلية.. وفي الجانب الآخر تتعهد إسرائيل بدعم السودان سياسيا لانجاح التحول الديمقراطي وتعزيز موقف السودان للعودة للمجتمع الدولي بصورة أفضل.و ليست بطريقه برغماتية مبتزله (المال مقابل التطبيع).
أهمية العلاقات مع إسرائيل ليست فقط من أجل الحصول على فوائد اقتصادية، فهذه يمكن الحصول عليها من خلال علاقات دولية مع محاور ودول كثيرة مثل البرازيل، جنوب أفريقيا، اليابان و أستراليا لكن أهمية العلاقات مع إسرائيل تكمن في انها تفتح الباب على مصراعيه لعلاقات متميزة مع أمريكا الدولة العظمي في العالم.
أهتمام أمريكا بقضية السلام في الشرق الأوسط والتغير الثوري في السودان يعتبر فرصه استثنائية. فالرئيس الأمريكي ترامب يسعى لتحقيق نصر في العلاقات الدولية يدخل به الانتخابات وكذلك إسرائيل متحمسه للغاية للخروج من العزلة الاقليمية.
والفرصة لاتأتي كل يوم، اذا استثمر السودان هذا المناخ الايجابي يمكن أن نخرج من عنق الزجاجة ونخلق تحول تاريخي كبير يضع السودان في المدار الصحيح للنهضه والنمو.

Advertisement

sudan-press.net :
زر الذهاب إلى الأعلى