آراء

د. ياسر محجوب الحسين/ أمواج ناعمة .. “المهدي”حجر في بركة الصمت

لعل المعارضة الجهيرة التي أعلنها الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي السوداني لمساعي الخرطوم الرسمية للتطبيع مع دولة إسرائيل، يعتبر أقوى محاولة لكسر جدار الصمت الذي يلف القوى السياسية السودانية. إن موقف المهدي الواضح يعيد التوازن للحالة السياسية السودانية التي أربكها إقدام السلطات الانتقالية بشقيها العسكري والمدني على اتخاذ قرار خطير لا يقع بأي حال ضمن اختصاصاتها ولا من صلاحياتها في ظل تغييب كامل ومتعمد للبرلمان والمحكمة الدستورية العليا.
ولعل المهدي سياسي يتمتع بوزن كبير ويمثل حزباً جماهيرياً عريضاً لا يمكن تجاهله على الإطلاق؛ وأسس جده عبد الرحمن المهدي حزب الأمة في العام 1945، وضم الحزب كيان الأنصار وهم مؤيدو زعيم الثورة المهدية التي طردت الحاكم البريطاني في 1885، بالإضافة إلى بعض المثقفين القوميين الذين يطالبون باستقلال السودان. وفي آخر انتخابات برلمانية سبقت نظام الرئيس السابق عمر البشير حصل حزب الأمة على أغلبية برلمانية مكنت الصادق المهدي من تشكيل الحكومة.
وعضد المهدي موقفه المعارض بتهديد بسحب تأييده للسلطة الانتقالية في البلاد، إذا ما أقدمت على التطبيع مع إسرائيل. وزاد بأن “مؤسسات الحكم الانتقالية غير مؤهلة لاتخاذ أية قرارات في القضايا الخلافية، مثل إقامة علاقات مع دولة الفصل العنصري”. وحرض المهدي على رفع دعاوى قضائية ومساءلات قانونية للذين يخالفون قانون مقاطعة إسرائيل، وقال أن محاميي حزب الأمة القومي سيتولون ذلك، واعتبر خيانة حين قال إن “الخيانة ليست وجهة نظر تحميها الحرية”.
ولعل موقف المهدي مبنيٌ على التزام مبدئي تجاه القضية الفلسطينة باعتبارها قضية عربية وإسلامية، وللسودان تاريخيا مواقف إيجابية مشهودة تجاهها. وهذا ما دعا إيشان ثارور المحلل السياسي بصحيفة واشنطن بوست للقول إن التطبيع بين السودان وإسرائيل إذا ما تم يمثل خطوة رمزية لا يمكن تجاهلها، نظرا لأن الخرطوم كانت قد استضافت مؤتمر القمة العربية في 1967 عقب حرب العرب مع إسرائيل في يونيو من ذلك العام. واشتهر ذلك المؤتمر بـ “قمة اللاءات الثلاث”: (لا سلام ولا اعتراف ولا تفاوض).
والمهدي كسياسي مخضرم مقتنع بأن التطبيع لن يساعد السودان ماليا ولن يزيل العقوبات المفروضة عليه. ويرى أن من يقول أن التطبيع مع إسرائيل يحقق مصالح السودان واهم. بل إن مشاريع التطبيع الجارية تمهد لحرب قادمة مع إيران، وتخدم الحظوظ الانتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. ويعتقد بأن التعامل مع إسرائيل في ظل ما يسمى بصفقة القرن، خيانة وطنية، وقومية، وإسلامية، ودولية. بل إن التطبيع اسم (دلع) مرادف للاستسلام ولا صلة له بالسلام.
فالرجل يؤكد أن تطبيع الخرطوم صفقة خاسرة بمقاييس داخلية وخارجية، فضلا عن اصطدامها بقيم ومبادئ الأمة الإسلامية والعربية. فلا السلطة الحاكمة اليوم في السودان مخولة، ولا التطبيع يجلب حلولاً سحرية للأزمة الاقتصادية حتى لو تضمن ذلك رفع اسم البلاد من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.
وفي مقابل الموقف القوي المعلن للمهدي تبدو السلطة الانتقالية مرتبكة وغير واثقة من خطوتها ومستسلمة تماما للابتزاز الأمريكي المتمثل في التطبيع مقابل رفع اسم البلاد من رعاية الإرهاب، وارتباط ذلك بالانتخابات الرئاسية، لدرجة أفقد الدبلوماسية الأمريكية توازنها؛ فالعرف المتبع ألا تقوم الإدارة المسؤولة بربط الدبلوماسية الأمريكية بالسياسة الداخلية لأي حزب من الأحزاب.
فهذا الربط يجد استنكارا في الداخل الأمريكي نفسه؛ فقد لفتت دراسة لمعهد بروكينغز الذي يتخذ مقرا له في واشنطن، إلى أن الضغط على السودان لتطبيع علاقات مع إسرائيل يبقى “لعبة خطيرة” في ظل المرحلة الانتقالية الحالية. ورأى المعهد أنه “إذا اعتبر التطبيع نتيجة لاستغلال اليأس الاقتصادي والإنساني، فهذا يهدد بإثارة المزيد من الاستقطاب في الرأي العام وتسريع تراجع الدعم للسلطات الانتقالية”. ويشير المعهد إلى مقايضة مبطّنة التقت عندها حاجة الرئيس ترامب لإضافة تطبيع ثالث بعد الإمارات والبحرين قبل الانتخابات الرئاسية التي دقت الأبواب، مع حاجة الخرطوم لفكّ الضيق السياسي والاقتصادي عنها من خلال المساعدات المرتجاة وتدفق الاستثمارات الموعودة.
وكان تكتم الحكومة السودانية على زيارة وفد إسرائيل رسمي للخرطوم في رحلة مباشرة الأربعاء الماضي، دليلا على خوفها وارتباكها ولم ترشح أخبار هذه الزيارة إلا من خلال الإعلام الإسرائيلي. وقالت هيئة البث العبرية الرسمية، إن وفدا إسرائيليا زار الخرطوم، استعدادا لإعلان تطبيع العلاقات. ولم تعقب الخرطوم على ما أوردته وسائل الإعلام الاسرائيلية بشأن زيارة الوفد الإسرائيلي.
وتحاول الخارجية الأمريكية تطويع موقف رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك المتحفظ على التطبيع ظاهريا، بمختلف أشكال الضغط. وكان حمدوك قد ذكر أنه ليس من صلاحيات حكومته الانتقالية البت في أمر التطبيع. لكن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قال عقب مكالمة مع حمدوك بأن الأخير يدعم جهود تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ثم عدل حمدوك موقفه بأن قال إن موضوع التطبيع متروك للمجلس التشريعي الذي لم يتكون أصلا، ويقوم بمهام هذا المجلس المغيب عمدا مجلسا السيادة والوزراء مجتمعين. وكشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية الخميس أمس الأول، عن التوصل الى اتفاق بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك.
إن الشارع السوداني العريض يأمل في أن يبلور الصادق المهدي بقدراته السياسية رأياً عاماً ضاغطاً ويقود تياراً ظل حياً في وجدان الشارع السوداني، ليوقف هذه الخطوات غير الناضجة والمنساقة بشكل رغائبي للتنافس الانتخابي الأمريكي الداخلي.

Advertisement

sudan-press.net :
زر الذهاب إلى الأعلى