الاخبار

خالد شقوري ينعي حمد الريح.. “رحل تربال الغُنا اليانع”

Advertisement

نعى الشاعر خالد عباس شقوري رحيل الفنان المخضرم حمد الريح مبينا انه ظل ينهل منذ طفولته من فيض حنين اغنياته

Advertisement

وانتقل الى الرفيق الأعلى في الساعات الأولى من صباح اليوم الهرم الغنائي حمد الريح متأثرا بفيروس كورونا

وكتب خالد شقوري عن رحيل حمد الريح:-
اذكر ..وانا يافع ..كنت استرق السمع للصوت المنبعث من الراديو الموضوع على شباك (التكل) في بيتنا في حي الحلنقة بكسلا ..وأمى رحمها الله تدندن بصوت خفيض مع ود البادية (ياجنا ..في بعادنا عن ارض الحنان الليله مرت كم سنة ) رائعة هاشم صديق .. ثم تنقلها طلبات المستمعين الى صداح آخر وهو يحاكي قمريات المساء (حليل الراحو وخلو الريح تنوح فوق النخل) وهنا يتصاعد صوت أمى وهي تمسح دمعة انحدرت على خدها ثم تواصل ضرب (المفراكة) على البامية التى يحبها والدى ..

وانا بين الاغنيتين اسافر بخيالى الغض الى عوالم من الجمال وابنى بالطين تحت شجرة الجوافة بيتا من الجالوص وبقطع الفحم اصنع اغناما وباعواد الشجر اقيم اشجارا .. لوحةً تعزز ما اتصوره في خيالى وانا هائم بين الاغنيتين .. ثم ياتي صوت ابن (بارا) ابراهيم موسى ابا (قشيشة الخريف خدرة شايلالا نوارة) .. فتزداد الصورة التى في ذهنى اخضرارا وانا في عمر الزقزقة كما طيور الجنة التى تحوم حول (ماعون النقاع) تحت جر الماء

ويمضى اليوم وامضى الى ملعب اترابى في الحي وصدى الاغنيات يملأني .. واعود حين عودة والدي لنشاركة سجادة المغرب انا واخوتي ثم نتزاحم على صدره الواسع .. واحيانا اسمعه يردد (خداري البى حالى ماهو داري) رائعة حسن عطيه .. ماهذا الاخضرار الذي يلفنى والذى اسمعه في همسات أمى ورزيم صدر والدى وانبعاث صوت الراديو واراه في اشجار الليمون واللارنجة والجوافه التى تتوسط دارنا المستأجر وفي عيون جدتى لامى مريودة التى تمنحنا اشهرا كل عام ..

انقضى اليوم .. والايام .. وتحول اليافع الى صبى .. ثم الى شاب وصوت المغنى ذاك يكبر في وجدانة ..

(السواقى النايحة نص الليل ..حنين الدنيا ممزوج في بكاها و (حليل الراحو .. حليل ناس ليلى) .. و(الساقية لسه مدورة) تمنحنا دفق أغنيات لاتشبه اغنيات الأخرين .. اغنيات تحمل صوت هدير الامواج ولون الزرع ورائحة الطين بالرغم من ان مغنيها يرتدى زي الافرنج وربطة العنق الانيقة وتفوح من اعطافه ارقى العطور الباريسية ..
وينقلنا ذات المغنى .. لنرحل خلف (طيرالرهو) واغاريد ود حد الزين .. ثم مع الحلنقى وهو يناجي( حمام الوادي ياراحل) .. متتبعين محجوب الحاج مناديا (نسمة العز ياسماحة ) و (عم الزين) .. وموكب الاغنيات اليانعة لم يتوقف ..

منذ ان اُرغم اهل الشاعر سليمان عبدالجليل على الهجرة من وداي حلفا وصوت فناننا يحيل كلماته الى اغاريد باكية تعزى كل اهل الوطن ..(نحن راجعين في المغيرب) واحد من المشاهد التى غمرتها مياه البحيرة ( الدعاش والغيم رزاز بالفرح بلل كتوفنا)

ويظل صداح الغبش يسوح بنا بين السواقى والجروف والبيادر يروى اغنياته باعذب الالحان وكانه يعزف على (طورية) والطيور تحلق على مقاطعه .. ( كنا قبلك ياحليوة في دروب مافيها إلفه لا الصباح زوار دوربنا لا قليب نلقالو مرفا) .. ( وخليني ليه عشت الشقا قبال اعرفك من زمان) مد من الاغنيات اللطيفه..وحتى عندما يتغنى بالفصحى لايبرح مراتع اغنياته المخضلة.. ويحوم حول الحمى مرددا (يامريا .. ليت لي ازميل فدياس وروحا عبقرية).

غادر جزيرته ( توتى) ولم تغادرها اغنياته وظل مرتبطا بها عشقا لاهلها (الترسو البحر صددو) واشجارها وضفافها النضيرة وصوت مآذنها واعراسها البهية ..

عرفته عن قرب ووجدته كما اغنياته .. بذات الالق .. وكنا نراه على المسرح في كامل اناقته الافرنجية وحين يبتدر الغناء يخرج الينا صوته مرتديا الطاقية الحمراء و(العراقي) البلدى والصديرى القصير .. ومواويل الريف تملأ حنجرته وعيونه الضاحكة تشع في المكان.

رحم الله حمد ود الريح ود توتى ابن النيل .. رحمة واسعة ووسع له في مرقده وانزله منازل الاكرمين ..
.. غاب جسدا .. وبقي عطرا واغاريدا ترددها الاجيال..
حمد الريح ..تربال الاغنيات اليانعة

✍🏼
خالد عباس شقوري
الثلاثاء 1ديسمبر 2020

Advertisement

زر الذهاب إلى الأعلى