آراء

حدود المنطق/ إسماعيل جبريل تيسو.. تهريب الذهب، استمرار للفساد وتبديد لثروات البلاد

وتستمر محاولات تهريب الذهب، ومعها تستمر عمليات الضبط والمكافحة، التي كثيراً ما نجحت في إبطال مفعول العديد من حالات التهريب، ولكن السؤال المخيف يظل حاضراً في الأذهان: كم من عملية تهريب ناجحة مرت بين يدي السلطات المختصة في القنوات الرسمية أو المعابر الحدودية؟ وكم الكميات التي حملتها أيدي الفساد إلى خارج حدود البلاد؟.

لقد كان وما يزال لسان السلطات الحكومية المختصة يجأر بالشكوى جراء استمرار عمليات التهريب الواسعة للمعدن النفيس، الذي تفنن المهربون رجالاً ونساءاً، مواطنيين وأجانب في عمليات تهريبه، رغم القرار المتخذ بفك احتكار بنك السودان المركزي وإنهاء سياساته العرجاء بشراء الذهب، ومنح المصدّرين من شركات الامتياز، حرية التصدير بحد أقصى 10 كيلوجرامات من الذهب المصفَّى، بعد استيفاء الإجراءات والضوابط المحددة، وحظر تصديره على الجهات الحكومية وعلى الأجانب من الأفراد والشركات.

ورغم انفراج أسارير وجه المشهد الاقتصادي وتفاؤله بقرار بفك احتكار البنك المركزي للذهب، وانعكاس هذه الخطوة إيجاباً على عملية تنظيم وتطوير سوق الذهب في السودان، وارتفاع معدلات إنتاجه، إلا أن منافذ التهريب ما انفكت مفتوحة على مصراعيها أمام ضعاف النفوس ممن اعتادوا على الكسب الرخيص والتهرب من دفع ضريبة الوطن ومحاولة الاغتناء بأقصر الطرق ضاربين بالقوانين عرض الحائط.

لقد ظل السودان يعاني خلال حكم الإنقاذ البائد من عمليات نهب مقنن للمعدن النفيس عبر مطار الخرطوم الدولي، بتواطؤ مفضوح من قبل السلطات الحكومية المختصة مع المهربين الذين كان معظمهم من النافذين في العهد البائد، استغلوا ضعف الرقابة والإجراءات المتبعة في مطار الخرطوم الذي كان مستباحاً بشكل سافر في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير.

إن من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها السلطات المختصة طوال الثلاثين عاماً الماضية، كان تخصيص صالة لكبار الزوار، سواءاً تم ذلك بقصد أو دون قصد، فقد أصبحت هذه الصالة أكبر منفذ للفساد وتهريب الذهب، إذ يسافر عبرها قيادات الدولة الرفيعة من الوزراء والتنفيذيين والسياسيين وأسرهم دون أن يخضعون لعمليات التفتيش، فاستغل ضعاف النفوس منهم ( وما أكثرهم ) هذه الثغرات وعاثوا فساداً في نهب وتدمير الاقتصاد، حتى أوردوا البلاد مورد الهلاك.

ومما يؤسف له أن كثيراً من الضبطيات التي تتم داخل صالات مطار الخرطوم أو حتى عبر المنافذ الحدودية تصطدم بجدار المحسوبية والحماية، إما بتقنين عمليات التهريب، أو إبعاد الضالعين في الجريمة عن عيون الجهات المختصة وتغبيش وجه المحاسبة والمساءلة القانونية، وهو أمر ساهم بقدر متعاظم في استمرار هذه الحلقة الخبيثة لتهريب الذهب، دون خوف أو خشية من استمرار انهيار الاقتصاد باستهداف أهم مصادر الإيرادات المالية للبلاد.

وفي محاولة منها لمحاصرة عمليات التهريب، أعلنت حكومة الفترة الانتقالية بقيادة دكتور عد الله حمدوك جديتها في معاقبة كل من تسول له نفسه العبث بثروات وموارد البلاد، فشكَّلت لجنة عليا لمكافحة تهريب الذهب عبر مطار الخرطوم تضم في عضويتها الجهات المختصة ذات الصلة، في مقدمتها وزارة الداخلية، المعادن، هيئة الجمارك، سلطة الطيران المدني، الأجهزة الأمنية من الاستخبارات العسكرية والأمن الاقتصادي وآخرين.

اللجنة العليا لمكافحة تهريب الذهب عبر مطار الخرطوم، أبدت حرصاً كبيراً على محاصرة عمليات التهريب بتنسيق الجهود وإحكام المواقف بين الأجهزة الأمنية كافة، كما أن السلطات الحكومية انتهجت سبيل التكريم وتحفيز كل من يساهم في إنجاح عمليات ضبط الذهب بمطار الخرطوم، ولكن المؤسف أن كل هذه المجهودات لم تستطع الصمود أمام الأطماع الشخصية التي ظلت تقف وراء استمرار عمليات التهريب مدفوعة بغياب الضمير الوطني ومسنودة ببيروقراطية الإجراءات والقفز فوق القوانين.

إن تأكيدات الحكومة الانتقالية بسعيها لتطوير البُنيات التحتية لمطار الخرطوم من صالات ومواقف للطائرات وتعزيز الأمن والسلامة بالمطار الدولي، لن تُوقف سيل التهريب الهادر عبر المطارات والمنافذ الحدودية، ما لم يكن هنالك واعز وطني والتزام أخلاقي، يكبت جماح الأطماع الشخصية والمصالح الذاتية الضيقة التي كانت من السمات القميئة التي رسَّخها نظام الإنقاذ الذي كان يقف على ساقيين قويتين من الفساد والاستبداد، ولن يغيَّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

زر الذهاب إلى الأعلى