آراء

شرف الدين أحمد حمزة يكتب: السودان ومزامير الإبراهيمية الإسرائيلية (6-12)

إسرائيل الكبري بين التوراة الجديدة والأجيال الجديدة

* النشيد القومي الإسرائيلي يؤكد لهم أن آمال أليهود لن تخيب في العثور علي أرض ألميعاد حتي ولو بعد عشرين قرنا من ألضياع وألتشتت في ألأرض.

بالطبع هذا الوطن الذي يغيب رسمه وجغرافيته في نشيدهم القومي إنما تحدده لهم بوضح شديد أسفار ألتوراة ألمكتوبة بأيدي حاخاماتهم علي النحو الوارد بسفر التثنيه(( كل أرض تدوسها بطون أقدامكم هي لكم كما كلمت موسي)) وكذلك((..ويطرد الرب من أمامكم جميع هؤلاء الشعوب فترثون شعوبا أكبر وأعظم))، وما جاء بسفر “ميخا” الذي يقول((..قومي ودوسي يا بنت صهيون لأني أجعل قرنك حديدا وأظلافك أجعلها نحاسا فتسحقي شعوبا كثيرة،وأحرق غنميتهم للرب ورزقهم لسيد الارض..))،ثم تكون الصورة عندهم أكثر وضوحا بشأن هذا الوطن وملامح إمتداده ألجغرافي النهائي علي النحو الوارد بالإصحاح الخامس عشر/رقم 18 من العهد القديم بسفر التكوين((..في ذلك اليوم قطع الرب وعدا لأبرام إني اعطيك ولنسلك من نهر الفرات إلي نهر مصر الكبير..)) وكذلك ما جاء بالإصحاح الرابع والعشرين من ذات السفر وفق ما يلي((فإني اسلم إلي أيديكم سكان الأرض من بحر القلزم إلي فلسطين ومن البرية إلي النهر فتطردهم من أمام وجهك ولا تقطع لهم ولا لألهتهم عهدا،ولا يقيموا في أرضك كيلا يجعلوك أن تعبد الهتهم..)).
من هنا يمكن لنا أن نفهم البعد الجيوسياسي أو قل إن شئت علي وجه الدقة البعد((الجيوتوراتي))للسياسات الإسرائيلية في حراكها الإقليمي والدولي أمس واليوم إلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

* لكن إسرائيل الآن تعيش قلقا متزايدا ومحنة كبري تهدد بتآكلها من داخلها آلا وهي محنة الأجيال الجديدة الشابة الذين ولدوا علي أرض فلسطين ولم يعيشوا ويشهدوا أيام الضياع ببلدان الشتات ولم يشاركوا في الحروبات والمجازر البشرية التي جرت ضد الشعب الفلسطيني التي نفذها آباؤهم منذ تأسيس الدولة العبرية عام 1948 قبل الإستيلاء علي معظم فلسطين.

كذلك لم يعيشوا سنوات المعاناة وكراهية شعوب العالم لليهود وطردهم من كل بلاد الدنيا من لدن((بابل)) حتي ((محرقة برلين)) عندما قام زعيم النازية “هتلر” بحرق ستة ملايين من اليهود في أفران الغاز ،وعندما سئل عن لماذا تركت بقيتهم أجاب بقوله حتي تعاشروهم وتعرفوا لماذا قمت بحرقهم.
لقد كره العالم اليهود لنظرتهم المتعالية تجاه شعوب العالم اجمع فالله لهم وحدهم بإعتبارعم (شعب الله المختار)وأنهم سادة البشر جميعا، وأن دينهم خير الأديان ، وأنهم ورثوا كتاب الكتب الأبدي وأن ربهم جعل الأرض لهم وحدهم.

* الأجيال اليهودية التي عاشت فترة الشتات قبل إعلان ولادة الدولة العبرية عام 1948 يشعرون شعورا ذاتيا بالدونية والإنكسار والضياع والهوان، فقد قاموا بنشر الدعارة والرذيلة في جميع البلدان التي عاشوا في كنفها ، فقد قبلوا الاعمال الدونية الحقيرة ، ونشروا التعاملات المالية الربويه كما اسندت إليهم أعمال الجاسوسية والخيانة والإغتيالات السرية وذلك لأنهم بلا وطن الأمر الذي حرم عليهم الإنخراط في الوظائف الحساسه والإنتماء لسلك الجندية في بلدان الشتات. وتتيجة لاوضاعهم تلك فقد عاش يهود الشتات في قاع المجتمعات والازقه الضيقة القذرة والتي عرفت بحارة اليهود كما في مصر والمغرب وتونس والسودان علي سبيل المثال.
كما عاشت أجيال من يهود الشتات عمليات الطرد الفردي والجماعي من بلدان الشتات نتيجة لسوء سلوكهم وخياناتهم حتي الذين تفوقوا منهم في أي ضرب من ضروب المعرفه والثقافة والفنون والصنائع لم تشفع لهم عبقريتهم من قرارات دول العالم بطردهم لشذوذهم وسوء سلوكهم _ فقد تم طرد “كارل ماركس من المانيا ، وأينشتين من المانيا كذلك، وتروتسكي طرد من روسيا، كما تم طرد سيجموند فرويد من النمسا ، والبرتو مورافيا وغيرهم..”

* إن الأزمة الداخلية في قلب إسرائيل بين الأجيال الجديدة الشابة والأجيال الوافدة من الشتات تهدد الشعور القومي ليهود إسرائيل فهم شعب مكون من 65 جنسية يتحدثون 32 لغة مع إتجاهات فكرية متعددة أظهرت معها موجات إلحادية أزعجت الحاخامات، حيث هناك الذين وفدوا من السودان، ويهود الفلاشا الأحباش، ومن بولندا، وهولندا، واليمن، وروسيا،
والمانيا، وإيران ولكنهم جميعا غرباء داخل إسرائيل بما خلخل اللحمه القومية التي تخطط لها الدولة والمؤسسة الحاخامية الأمر الذي دفع الدولة العبرية بفرض تعلم اللغة العبرية لتنمية الرباط القومي بين مكونات الشعب اليهودي.

* لقد طرقت الكاتبة الروائية الإسرائيلية “يائيل موشي دايان” وقرعت الأجراس بقوة وهي تشير إلي هذه الخلخلة التي اصابت المجتمع الإسرائيلي عبر روايتها بعنوان((الموت له ولدان)) عندما أشارت إلي بطل روايتها ذلك الشاب اليهودي الذي لا يصلي وحتي عندما توفي والده ووقف علي قبره بجوار الحاخام لم يكن يدري ماذا يقول الحاخام في صلاته بل إن الحاخام نفسه كان قد صرح قبل ذلك لوالده قبل أن يموت بأنه نادرا ما يصلي وعندما يصلي يصلي وحده_ وهنا تبرز الكاتبة نمط الحاخامات الجدد الذين لا يحرصون علي أداء طقوس الصلوات التوراتية وبالتالي فلا غرابة أن يكون بطل الرواية لا يدري ماذا يقول في صلاته في دوله تكرس جل جهدها لفرض الدين والإلتزام الصارم بالتعاليم التوراتية التلمودية وأسفارها من أجل خلق امة يهودية متحدة الشعور والوجدان الجمعي .

* ظهور الموجات والأصوات الإلحادية الصارخه لبعض الشرائح الوافدة من يهود الشتات وبينهم حاخامات لا يصلون وفق التعاليم التوراتية ولم يتشربوا النصوص التلمودية ووصاياها فضلا عن الشباب من مواليد الدولة العبرية شكلوا قلقا كبيرا للحاخامية ألرسمية منذ سنوات لأن هذا من شأنه إجهاض جهود الدولة العبرية لخلق المجتمع القومي اليهودي الزاحف لبناء “إسرائيل الكبري” ووراثة ثروات العالم وإبادت شعوبه كما تقول الأسفار.

* لكن الحاخامية الرسمية كانت قد تفتقت عبقريتها باكرا حيث إنتبهت إلي إنقضاء العمر الإفتراضي للعهد القديم وأسفاره التي لم تعد تلائم مقتضيات العصر بعد أن نجحوا تماما في تسويقهم للعولمه بأبعادها السياسيه والنظام الدولي الجديد ، والأقتصادية وسيادة التحرير الأقتصادي ، والثقافية ، والإجتماعية وتطبيقات “سيداو” وإقرار حقوق “المثليين” ، والعقدية بخلخلة الدول الإسلامية وإتهامها بإيواء الإرهاب حيث عكفوا علي إعداد إصدارة جديدة منقحة ومزيدة للعهد القديم واسفاره لخدمة عصر الإبراهيمية السياسية التي من شأنها تجميد جميع الأديان وفق نصوص الأتفاق الإبراهيمي للتعايش السلمي والإجتماعي بين الشعوب بما يحقق مصداقية وغطاء للبرتكول الرابع عشر من برتكولات حكماء صهيون القائل.. متي ما ولجنا أبواب مملكتنا لا يليق بنا أن يكون فيها دين أخر غير ديننا وهو دين الله الواحد المرتبط به مصيرنا من حيث كوننا شعب الله المختار وبواسطتة إرتبط مصير العالم بمصيرنا فيجب علينا أن نكنس جميع الأديان الأخري علي إختلاف صورها.

* لا شك أن الإصدارة الجديدة للعهد القديم ستكون أكثر حرصا علي إحتوائها علي أسماء جديدة للدول والقيادات التي رضخت لإقرار الإتفاق الإبراهيمي كما حفل العهد القديم بمئات الأسماء من البشر الذين إرتبطوا بالمعارك والمقتطفات التاريخية لليهود ومعاركهم وإنتصاراتهم وإنكساراتهم بإعتبار أن الدين عند اليهود هو التاريخ والتاريخ هو الدين وأن بن جوريون قال إن جيش ألدفاع الإسرائيلي هو خير مفسر للتوراة.

* ولكن هل بنود الإتفاق الإبراهيمي قابلة حقيقة لقبول الشعوب المسلمة بهذا التراكم العقدي اليهودي الذي إنبني علية هذا الإتفاق من وجهة نظرهم؟ وماهي ردود الفعل الأولية المباشرة من المجتمعات الإسلامية وهيئاتها الدينية الرسمية حيال هذا الإتفاق خاصة في البلدان الإسلامية التي قامت بالتوقيع عليه؟؟ وهل يمثل هذا الاتفاق حصارا للدين الإسلامي؟ بل هل تصبح سورة البقرة وسورة آل عمران، وسورة النساء،وسورة المائده، وغيرها من سور القرآن الكريم التي تتعرض لليهود ومكرهم وخداعهم وتكذيبهم لرسولنا الكريم “صلي الله عليه وسلم” هل سيصبح ذلك كله من قبيل المنشورات السرية التي يمنع تداولها في البلاد الإسلامية التي وقعت علي هذا الإتفاق ام أن وراء الأكمه ما ورائها _ والله غالب علي أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون.

زر الذهاب إلى الأعلى