آراء

حديث المدينة – عثمان ميرغني .. ”أزمة الكهرباء”

حسب تصريحات المهندس جادين علي عبيد وزير الطاقة في مؤتمره الصحفي أمس، فإن إجمالي الطاقة الكهربائية التي يفترض إنتاجها في السودان 4000 ميقاوات من التوليد المائي والحراري.. لكن المنتج حقيقية لا يتجاوز 1800 ميقاوات بعجز يفوق الـ55%، وهو وضع خطير بمقياس تأثيره على كامل القوام الإنتاجي والاقتصادي للبلاد، بل وحتى الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها.

وتوقع الوزير أن يرتفع التوليد إلى حوالى 2200 مما يساهم قليلاً في خفض ساعات الإظلام المبرمجة يومياً.. وبرر الوزير الوضع بأنه يرتبط بالخطة “ب” في مفاوضات سد النهضة حيث يسعى السودان لسد النقص في مياه النيل قبل فترة كافية. علاوة على شح الوقود اللازم لتشغيل المحطات الحرارية..

حسناً؛ تعالوا نحسب بالقلم والورقة والمسطرة..!!

متى بدأت أزمات الكهرباء؟ أنا شخصياً أذكر ونحن أطفال صغار في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري كنا نرى أزمات الإظلام التام وربما بصورة أسوأ إذ أحياناً تمتد لأيام.

وولى عهد نميري ، وجاء العهد الحزبي الثالث، من 1985 حتى انقلاب الإنقاذ في 1989، وكانت أزمة الكهرباء أسوأ مما هي عليه الآن..

حكى لي السيد مبارك الفاضل المهدي أنه لما استحكمت أزمة الكهرباء أختير ليشغل منصب وزير الطاقة لحل الأزمة.. وفي أول يوم زار فيه رئاسة الهيئة القومية للكهرباء وبعد رجوعه للبيت كان أول قرار اتخذه شراء مولد لبيته، فقد رأى بأم عينه حجم المصيبة..

وجاء عهد الإنقاذ وازداد الأمر قتامة، حتى وصل مرحلة أن يطل المدير العام للهيئة القومية للكهرباء يومياً في نشرة التاسعة ليلاً بتلفزيون السودان ليقرأ للمشاهدين مناسيب النيل والتخزين بخزان الروصيرص والكهرباء المنتجة.. وكانت البرمجة بالأيام وليس الساعات.

صحيح الحال انصلح كثيراً في عهد المهندس مكاوي محمد عوض الذي استطاع فعلاً تحقيق طفرة لا ينكرها إلا مكابر في قطاع الكهرباء.

ثم عادت الأوضاع تنحدر مرة أخرى مع زيادة الطلب وتدني التوليد.. إلى أن وصلنا إلى المرحلة التي نكابدها حالياً..

لا يمكن لعاقل أن يصف الكهرباء في السودان بأنها (أزمة)!، فالأزمة لا تستمر خمسين سنة!!

هي متلازمة “فشل” ذريع في الدولة السودانية لم يقتصر على قطاع الكهرباء، بل في كل المجالات، الخبز، الدواء، الماء، الصحة ، التعليم، المواصلات، بل حتى الرياضة والثقافة والفنون والترفيه.. “أنظر حولك” في كل اتجاه، الفشل شاخص وكئيب المنظر.

ولا يمكن لعاقل أن يفترض أن علاج مشكلة الكهرباء سيكون بتوفير الوقود وقطع الغيار كما قال السيد الوزير.. هذا امتداد وتمديد لحالة الفشل المزمنة..

لنرسم خطاً فاصلاً بين الأزمة، أية أزمة، وبين المسار الصاعد نحو تنفيذ خطة استراتيجية للدولة السودانية.. وليعلن الدكتور عبد الله حمدوك اليوم وليس غداً، تكوين “هيئة إدارة الأزمة”، لتصبح هي “الحكومة الأخرى” التي تواجه الأزمات بأشكالها كافة، في كل القطاعات، غذاء كهرباء ماء تعليم صحة مواصلات.. وتتفرغ الحكومة (والوزراء تحديداً) للتعامل مع العلاج المستمر المستدام.

بالنسبة لقطاع الكهرباء – كمثال- فإن مؤتمر باريس للاستثمار في السودان على بعد أقل من شهرين، يجب بناء خطة استراتيجية طموحة للاستثمار في قطاع الطاقة ليس لتوفيرها فحسب، بل ولجعلها بأقل تكلفة ممكنة لتشجيع الاستثمار في السودان..

نستطيع تخطي 10 آلاف ميقاوات– إضافية- قبل نهاية الفترة الانتقالية.. بالتخطيط لا التخبيط..

ببرمجة المشروعات لا برمجة القطوعات..

زر الذهاب إلى الأعلى