آراء

وجع ضُرس/ عبد الكريم محمد فرح .. دائرةُ الزوال

الكثيرُ من الحديثِ الرائجِ في الوسائطِ حول الكسلِ الذي يُصاحب الشخصية السودانية، في تعميمٍ غريبٍ أننا شعبٌ خاملٌ، حتي كِدنا نُصدق اننا كُسالا ولا نجيدُ شيئاً سوى النوم.
في مُنتصفِ العام 2017 ‪كُنتُ في رحلةِ عملٍ لموريتانيا ذَهبنا لنواكشط تلك المدينةُ الوادعةُ التي تخلطُ ما بيّن عراقةِ أُمدرمان وساحلية وغرابة بورتسودان ولعل ما يجعلُ طابعها سُودانيَ الملامح، ذلك التوب الذي تتلحفه النساءُ هناك وطالما فاخرنا به حتي أطلق عليه الثوب السوداني . تم إيقافي في المطار لدواعي أمنية حيثُ شك ضابطُ المطارِ أننا جِئنا بغرض التعدينِ الأهلي وعللَ ذلكَ أنها مُدخراتِ بِلادهم، فلا ضررَ ولا ضرار .. خَرجنا سريعاً بعد حديثٍ مقتضبٍ مِمن كان في استقبالنا وضباطِ المطار.
وكعادتي دوماً في أيّ بلدٍ أزُورها ،فلابد لي أن أعرف مكان سِفارةِ جمهورية السودان ؛ ودائماً ما تكون سفارتنا في موقعٍ مميز، ولها طابعٌ مختلفٌ مما يجعلها متفردةً اذ أنّ بها مسجد، فالمساجدُ في نواكشوط ليست كثيرةً. قابلتُ السفير بلال قسم الله رجلٌ يحملُ ملامحَ الدُبلوماسية السودانية في عَهدها الأول. تَحدثنا ونحن نطوفُ في جولةٍ داخلَ السفارة وصَلينا معه في مسجدِ السِفارة كان الجُو صائفٌ والساحلُ يُرسلُ نسائمَ ساخنةٍ وانبعاثاتٍ من لهيب.
عَلمتُ من سعادةِ السفير بلال أننا من الصُعوبةِ بمكان أنْ نتجولَ بين المدنِ فهناك معضلاتٌ كثيرةٌ في أسفارِ السودانيين بين المدن. وعرفت من آخر أن هنالك قانونٌ محليٌ يَمنعُ السودانيينَ من التجولِ بين المدن الا لغرضٍ معلومٍ ولجهةٍ معروفة. سألتُهم عن موقفكم السياسي كسفارة مِن مثلِ هذا القرار وهل أنتُم موافقونَ علي مثلِ هذه القراراتِ في مواجهة السودانيين فقط ولماذا نحنُ تحديداً وبقيةُ الجنسيات تُمارس حقها في العبورِ والخروجِ دون أدنى مشكلة، لم أجد إجابة تُقنعُني، ولم أجد مبرراً لذِلك.
بَعدها حَدثني أحدُهم أنّ التعدينَ والتنقيب الأهلي في موريتانيا بدأ شمالاً في منطقتي أنشيري والزويرات حيث ابتدرَه سُودانيون بأنظمةٍ بدائيةٍ جداً حيثُ استخرجوا الذهبَ مما أثارَ حفيظةَ السُلطات أنْ ذلكَ المخزونْ الإستراتيجي سيُصيبه نقص بفِعل وجودِ هولاء المُحترفين السودانيين.
دائماً ما تكونُ لنا اليد العليا في العملِ الشاقِ وخوض معتركاتِ الحياةِ بجسارة ولك أن تتخيلَ حجمَ المعاناةِ التي قد تُصاحبُ أحدهم ليذهبَ الي موريتانيا مُستكشفاً في أقصى شمالِ القارة ليضرب الأرضَ ويستخرج الذهب منها. ويُعَرِف أصحابَ الأرضِ بثروات بِلادهم .
هو شعبٌ شجاعٌ مقدامٌ قويُ الشخصية، يجعلُ مِن المستحيل ممكناً وفي أحلكِ الظروفِ فلا أري في هذا الشعب السوداني إلا قول الكّرار علي بن أبي طالب : “التقوى هي الخوفُ من الجليلِ والعملُ بالتنزيلِ والرضا بالقليلِ والاستعدادِ ليومِ الرحيلِ” ولكن تَبقي الحقيقةُ الثابتةُ أن التمردُ والخروج عنِ المألوف أحدَ صِفاتِ الإبداع الذي يجعلُ من هذا الشعب حالةً مختلفةً عن سواه.

زر الذهاب إلى الأعلى