آراء

عفراء فتح الرحمن تكتب: المسافة صفر

أدرت مؤشر الراديو وثبته على أغنية فرنسية عذبة، كان الصوت لامعا ومجلوا مثل نجمة مشعة في سماء صافية، لا أدري من اخترع مصاحبة الموسيقى للأغنيات؟، من ابتكر إخفاء جمال الأصوات الصلدة التي تصعد إلي السماء عارية كما خلقتها الطبيعة؟ ، ولفٓها بسولفان الموسيقى مثل هدايا عاشقين بائسين قررا الفراق، قطعت عليّ خربشاتي بمهاتفتها لم يكن لدي مزاج للرد لكنها ملحة تشبه سؤال وجودي حائر ٠
ألو ٠٠، باغتني صوتها كأني لم أر اسمها على الشاشة قبل ثوان، يالصوتها الدافئ كأنه قادم من مغارات سحيقة أو سطر من مخطوط تاريخي قديم يحكي عن العصر الذهبي للدولة العباسية ٠٠ (دكتور حسن الخليل كيفك؟).
بخير هكذا حقنتها بإجابة مقتضبة.
لتحطّ كل آلهة الحنو على صوتها وهي تلقي بسؤال من كلمة واحدة (مالك؟) ٠٠ لم أكن انتظر أي شيء غير هذا ، شارفت على الانهيار٠، لست بخير ياسمر٠
في شنو؟
فقدت طعم كل شيء
لم تعد لدي حتى رغبة النهوض من الفراش لا أخاف أن أفقد أي شيء بعد اليوم أو مافارقة معاي ٠٠ كان صمتها حادا كنصل سيف أعد لقتال طويل، وطرح الفراغ تساؤلها المكتوم حتى أنا؟ ٠٠ تنحنحت أردت أن أجاملها و أعزي نفسي ولو بكلمة ٠٠ لكنها باغتتني، حسن أنت تعبان شوية أرجوك أشرب حاجة دافية وأقفل التلفون تماما ونوم نتكلم الصباح إن شاء الله٠
لا أدري كيف نفذت الوصايا بحذافيرها أكثر ممايفعل طفل بوصايا والدته؟، صفعت باب كل شيء ورائي، بل حتى الأرق الذي صحبني سبعة أيام بلياليها حطّ رحاله عن جفوني المثقلة وأسلمني للنوم العميق بكلتا يديه ٠
نهضت في الحادية عشر صباحا بلا أمل غير انتظار مهاتفتها الصباحية٠
ثم أحسست بشوق جامح لرؤيتها، لضحكتها الرنانة التي تشبه ضحك الأطفال، بحثت سريعا في هاتفي عن صورها كم تشبه نجمات السينما في عهد الأبيض وأسود بنت عادية من غمار الناس لم أدر ما الذي جعلني أعلق كثوب مهترئ في أسلاكها الشائكة،؟ ، قطع اتصالها تفكيري مرة ثانية ومن الغرابة المشاعرية أني سمعت صوتا آخر داخلي يدعوني للتجاهل، لعدم الرد، حتى متى أظل أحيى برنين هاتفها؟ حتى متى أنتظر تفضلها بمحادثة مثل شحاذ يجلس على قارعة الطريق في انتظار الاحسان؟ حتى متى أمسك بيدها ألف مرة وأفلتها ألفا ؟ حتى متى أظل أقرأ قصيدة درويش التي حفظتها عن ظهر قلب ثم أجهش بالبكاء كطفل يتيم عند مقطع ٠٠

أنا لا أحبِّكِ

كم أحبكِ, كم أحبكِ , كمْ سنهْ أعطيتني
وأخذتِ عمري . كم سنهْ؟

سبع سنوات وأنا عالق في المنتصف (لا أنا مع الحبيب ولا أنا من دونه)
سبع سنوات منذ أن كانت في الخامسة والعشرين و تبحث عن وظيفة وكل مؤهلاتها اتقان التلوين وشهادة بكلاريوس من كلية الفنون الجميلة٠
استعانت بي بعد أن أغلقت جميع الابواب في وجهها هكذا قالت ٠
أما لقاؤنا الأول فقد باغتتني صوتها بعد أن كنت قد فرغت للتو من وضع اللمسات الأخيرة لتمثالي الجديد وقتها ، تراجعت عدة خطوات للوراء وأنا أنظر مزهوا لمانحتته يداي البارعتان، أتاني صوتها، كأنه من مغارات التاريخ الإله النوبي سومكر جسدته تماما مثلما نحته الأقدمون في النقعة والمصورات دكتور، أجبتها دون أن ألتفت وطاقة الزهو ترفع حجابي الحاجز إلى سقف الحلق، سأشارك به في معرض السياحة العالمي ببرلين، ثم أرخيت عروقي المشدودة قليلا وسألتها دون أن أستدير من أنت؟، سمر أنا سمر يادكتور وقفزت أمامي فتاة طويلة بدقة وممتلئة من غير بدانة، ( درست على يديك مبادئ النحت في المستوى الأول هل نسيتني؟ ) شجعتها ابتسامتي الواسعة وأنا أمسح العرق عن جبيني في سرد المزيد من تفاصيلها لكني في الحقيقة كنت منسجما مع ذاتي أكثر ممتلئا بمولودي الفني الجديد أكثر من اندماجي مع قصتها المكرورة، لكن لا بأس فإن اكتمال سومكر على هذه الدرجة من الاتقان فتح فني يستحق الصبر على الحياة، نعم يابنتي و المطلوب شنو هسه ؟
ردت باقتضاب وكأنها تنبهت للتو أني أنتظر صمتها) ، أبحث عن عمل منذ تخرجي قبل 4 أعوام وحتى الآن دون جدوى، وخطرت لي فكرة أن أعمل تحت اشرافك في تلوين منحوتاتك، رمقتها بنظرة ونصف ابتسامة فأطرقت بعينيها العسليتين الناعستين لأنها وكل طلابي يعلمون أني أعمل على نحت الملوك والآلهة النوبية لعهود نبتة ومروي فقط مستخدما الحجر الجيري أو الجرانيت و أترك التماثيل بلاتلوين لتكون صوزة طبق الأصل من القطع الأثرية الأصلية٠
أخذت أنفض عن جسدي ماعلق به من متبقيات الحجر الجيري وأمسح عن جبيني أمواج العرق التي تسيل بلا توقف أنفقت كل ذلك الوقت وأنا أنتظر أن تخرج قلم وورقة من حقيبتها لأكتب التوصية، كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهرا في أحد أيام مارس الغائظة، أنتظرتها حتى تنهي معركتها المصيرية مع محتويات حقيبتها الكبيرة حاولت الكثير من الأغراض أن تشرئب بعنقها من فوهة البركان فكانت تقمعها وتدخل يدها متحسسة باطن الحقيبة دون النظر إليه وكأنها تحترز من انفلات مالايحمد عقباه، فانفلتت رغما عني ضحكة مجلجلة جعلت معظم طلاب الكلية في البينشات المجاورة يصوبون نظرهم نحونا، أوقفت رحلة بحثها المضنية تلك متسائلة بحرج في شنو يادكتور؟، أجبتها وأنا أغالب الضحك دي شنطة آنسة تبحث عن عمل ولا تاجر مخدرات،؟ فغرق الطلاب جميعا في موجة من الضحك، لتطأطأ رأسها وتنسحب من أمامي بهدوء واصلت نوبة الضحك التي أنهيتها بسعال حاد وأنا أتابع مشيتها غير المتزنة دققت النظر أكثر فوجدتها تمشي بكامل قدمها اليمنى وبأمشاط اليسرى فقط بعد أن فقدت كعب الحذاء الأيسر في واقعة أخري ربما تشبه واقغة الحقيبة هذه وبدأت موجة جديدة من الضحك وكان الطلاب من حولي يواصلون ضحكهم القديم٠ و قطعت سيل ذكرياتي مرة ثالثة برسالة صوتية على تطبيق الواتساب، ( دوك صباح الخير على فكرة أعلم أنك سبب ما أنا عليه اليوم، فقد نقلتني من هامش الفقر إلى واسطة العقد بمجرد مهاتفتك لمدير شركة الاتصالات الكبرى، (سمر إبراهيم طالبتي قدمت عندكم من سنتين، أعتقد ستكون مفيدة في المساعدة في خيارات الدعاية والإعلان)،منذ سبع سنوات وأنا أتدرج في القسم وأنال سمعة وظيفية حسنة وبفضلك اليوم أرأس قسم التسويق لتنقلب حياتي إلى النقيض ٠٠ لم أكن قبل سبعة أعوام من الآن أقبل سخريتك اللاذعة مني ٠٠ ومنك ٠٠ومن الحياة٠٠ومن كل شيء الا تماثيل الآلهة ٠٠ من يقنعك دكتور أنها لم تعد مقدسة إلا لديك؟ ٠٠ من يقنعك أن تلك الديانات المحلية العنيقة لم يعد يعتنقها أحد؟ ٠٠ ولكني الآن أتفهم كل شيء، المهم عندما تصلك رسالتي أرجو أن تطمئنني عليك)٠
كان الفاصل المداري بيننا 25 عاما وبيننا بحر سند القديم٠٠
(بيني وبينك تستطيل حوائط ٠٠
ليل ٠٠
وينهض ألف باب
بيني وبينك تستبين كهولتي
وتذوب أقنعة الشباب)
وبيننا صورتي اللامعة التي بنيتها عبر السنين، أستاذ جامعي تقدمي مناصر لقضايا المرأة وتحررها وداعي لمذهب التوحيد في الحب والحرب مع الحياة ، مررت بعلاقات عابرة نعم، لست إلاها ولانبيا معصوما لكني لا أستطيع هدم كل مابنيت و أسرتي التي قامت على الحب أيضا ٠٠و أنجا أو الفتاة الحلوة كما يعني اسمها بالألمانيه خطفتها من ميونخ وسكنت معي على بعد أميال من مروي القديمة، قدمت لي الحب وايزيس التي أخذت ملامحها ولوني وشعري المجعد الكثيف، أنجا التي تحولت من دراسة الفنون إلى الآثار بعد أن حدثتها كثيرا عن ملكات مروي ٠٠ أنجا التي خاطبتني بالألمانية متسائلة فوز اعترافي لها بالحب، هل تعتقد أن وجود كنز الملكة أماني شاخيتو في متحف ميونخ في مدينتي مصادفة؟ ٠أنجا التي احتملت سوء الطقس والمزاج واختلاف الثقافات وحياتي المليئة بالتعقيدات لأجلي، ثم صمتُ برهة لأسمح لمرافعة أنجا بالانتهاء ولمناحة سمر بالعويل الداوي ، أخذت هاتفي واتصلت بها ردت منذ رنين الجرس الأول، كيفك؟ ٠٠ أشبه القناديل المعلقة٠
صمتت برهة ثم قالت: خلقت القناديل لتعلق وعلقت لتضيء٠
قلت: وتشبهين المسافة صفر٠
قالت: بعد ضحكة طفولية عذبة أنا طارق بن زياد خلقت لأحرر المسافة من البعد الحسي وأهزم اللاعودة وأمارس فن الانسحاب قبل انطفاء القناديل٠
و سادت فترة صمت أسود لتبددها بجملة عجلى، ألححت في الاتصال بك للاطمئنان وعاوزة أكلمك ٠٠٠، قاطعتها أعلم وسأكون أول الحاضرين ٠٠ مبروك إن شاء الله٠
كنت تعلم؟
نعم٠٠ وهدية زواحك جاهزة منذ أن علمت ٠
شكرا دوك
عفوا عزيزتي ٠٠مع السلامة
مع السلامة٠
وانقطع الاتصال الهاتفي ولم يتقطع سواه٠
وضعتْ الهاتف بعد أن أسقط في يدها من أين علم بالأمر ؟ وكيف لم يسأل عن أية تفاصيل؟
وعبرت بذهني رسالة جبران لمي عندما طلب منها إرسال صورتها، فقالت: كيف تتخيلني؟، ٠٠ اتخيل أن وجهك مستدير يلفه شعرك القصير، فقصت جدائلها الطويلة وأرسلت الصورة على الهيئة التي ذكرها، فراسلها مزهوا أرأيت كيف كان تخيلي صادقا؟ ٠٠ ردت بل كان الحب أصدق٠
وظلت المسافة صفر لعنة تلحق بجميع الأرواح المتماثلة٠
ألقت سمر هاتفها وقامت إلى زينتها عند كل مسافة، وكانت تراني في مرآتها نرجسيا يرى في نفسه مشروع إله لم يكتمل فيسرع إلى ترميم الجهة التي كسرتها حوافر الخيل بنحت الإله سومكر وأباداماك وآمون وتبقى لي أن أنحت ذاتي ضمن الآلهة هكذا كانت تراني في المرآة حينا ثم تحبني أحاين أخرى٠

وكنت أراها خليطا من مواجد الحسين بن علي و ملذات يزيد بن معاوية وأنتظرها متسكعا على الحدود المشتركة بين التذكر والنسيان٠
وفي يوم زفافها كان الحب مخنوقا في أنبوب اختبار بين خياري درويش (إما أن ينسى كوردة في الثلج ٠٠ أوينسى كمصرع طائر)
وكان العرجي ينشد
يدب هواها في عظامي وحبها ٠٠ كما دب في الملسوع سم العقارب٠
وكان الحزن يعوي مثل أجراس الكنائس، وحدي من أولد ضخما ثم أزوي٠
وكنت أنحت إلاها جديدا، هذه المرة أنحت إيزيس بصورتها الأنثوية الكاملة لم يكن تمثالها قطعة شبه الأصل هذه المرة فقد تسربت عينا سمر إلي إزميلي وخانتني يداي البارعتان لأول مرة وأخذت أفكر في التلوين فحجر الجرانيت الأسود لايسمح لنهر العسل في عينيها بالتدفق، وكسرت في مرآتها تمثال الإله الذي لم يكتمل وغرست وردة في الثلج فلعلها تحتفظ بكامل حمزتها نسبة لعوامل الطقس الملائم ولعلها ٠٠٠

sudan-press.net :
زر الذهاب إلى الأعلى