آراء

أمل عبد الرحيم تكتب.. وحسب المنايا أن يكُنّ أمانيا

نعم في بلادنا هذه الايام تتجسد هذه العبارة (وحسب المنايا أن يكُنّ أمانيا) واقعا يعاش وكابوسا لا يفارق من يبتليه الله بمرض أحد اقربائه بفيروس كرونا او يصاب باعراض مشابهة لاعراضه.
عشت واسرتي تجربة قاسية جدا منتصف رمضان الماضي، ليست اسرتي وحدها التي عاشت هذه الظروف فمثلنا كثيرون قابلناهم بمراكظ العزل وغرف العناية المكثفة في (المتاجر) التي تسمى مجازا في بلادنا بالمستوصفات او المستشفيات الخاصة.
خالد شقيقي الأكبر ـ عليه رحمة الله ـ نقلناه من حلفا الجديدة الى الخرطوم بحثا عن العلاج بعد أن اصيب بجلطة في الرئة. وهي اعراض تشابه الكرونا.
لم نجد له سريرا في اي مستشفى حكومي، او مراكز الحجر الصحي المعلنة، والمضطر يركب الصعب، ونحن اسرة من عامة الشعب السوداني، تكاليف اي علاج حتى ولو كانت ملاريا ترهق ميزانيتنا التي اصلا مرهقة جراء التدهور الاقتصادي المستمر والتضخم الذي وصل الى قرابة 400 بالمائة.
ركبنا الصعب فحياة شقيقي خالد أغلى من كل الأموال والاصول. أدخلناه إلى غرفة العناية المكثفة باحدة المستوصفات الخاصة، التكلفة اليومية كانت تتراوح بين 250 إلى 300 الف جنيه.
ورغم انه مبلغ فوق طاقة معظم الشعب السوداني، لكن أقول لكم ان (غرفة العناية المكثفة) كانت عبارة عن عنبر تم تقسيمه بفواصل خشبية في مسحة ضيقة لا تكفي المريض، مع وجود ممر ضيق جدا. انتفت الخصوصية تماما، والفاصل الخشبي قد يكون حجب الرؤية لكنه قطعا ترك حرية كاملة لنقل الاصوات بين الفواصل بحيث ان العنبر كله يصبح غرفة واحدة تسمع كل ما يجري فيها.
وأكثر لحظات المعاناة النفسية للمريض عندما يتوفى احد المرضى فيشق سقف العنبر عويل اهله وذويه، تخيل وقع ذلك على المرضى الآخرين في العنبر!!! قطعا يعطيك شعور ان مريضك يرقد في صف الموت ينتظر أن يحين دوره. وأنت المغلوب على غلبك تبيع مقتنياتك لإنقاذ شقيقك حبيبك الذي يموت كل لحظة باللامبالة من الحكومة ومن إدارة المستوصف.
أمضيت خمسة ايام امارض شقيقي خالد عليه رحمة الله باحدى المستوصفات الخاصة، دفعنا اكثر من اثنين مليون جنيه (اتنين مليار)، في مقابل خدمات غير متوفرة و(عنبر) يسمى ورا وبهتانا غرفة عناية مكثفة يدار على طريقة (عندك كرونا خت، ما عندك شييل).
رغم الظروف القاسية التي مرت علينا خلال تلك الفترة، لكني كنت مشغولة ومهمومة أكثر بحال غيرنا الذي يصاب له قريب بالكرونا ولا يملك اصول يمكن ان يبيعها لمواجهة تكاليف (عنابر) العناية المكثفة في المستوصفات بعد أن العجز عن ايجاد سرير في مركز عزل طبي حكومي. كيف يتصرفون الذين لا يملكون سيارات ولا يجدون (حق) الاسعاف الخيري او التجاري الصريح.
لكن قطعا الله لطيف بعبادة، بعد عدة ايام قضيناها في (عنبر) العناية المكثفة بالمستوصف الخاص، حصلنا على سرير في مركز عزل جبرة. وأنتقلنا إلى هناك. وهناك اكتشفنا الفرق الكبير بين المؤسسات الطبية الحكومية (وكناتين) العلاج الخاصة المسماة جورا وتدليسا مستوصفات، وهي لا تعدوا كونها مؤسسات لمص مال المرضى وذويهم.
ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورغم وفاة شقيقي خالد، إلا أن الحق يقال اننا وجدنا في مركز العزل الطبي بجبرة ملائكة الرحمة فعلا وقولا، فلهم منا جزيل الشكر والدعاء بالتوفيق.
نعم توفي شقيقي خالد عليه رحمة الله، ولا نقول إلا ما يرضي الله(إنا لله وإنا إليه راجعون).. لكن اكتب هذا حديثي هذا لأنبه الحكومة إلى قضية مرضى الكرونا الذين لا يجدون سرير في مراكز العزل الحكومية، ورسالتي لوزير الصحة الإتحادية ووزيراء الصحة بولايتي الخرطوم وكسلا أن المصابون بفيروس كرونا يعانون جسديا ومعنويا ومالي من عدم توفر اسرة في مراكز العزل الطبي الحكومية، والمطلوب منكم العمل على تخفيف المعاناة المالية على اسرهم بتوفير هذه المراكز، حتى تنقذوهم من سكاكين جزاري المستوصفات الخاصة و(كناتين) بيع الخدمات الطبية المنقوصة.
ونسأل الله ان لا يبتليكم بتجربة مريرة كالتي مرت بنا ويمر بها كثيرون غيرنا تجعل من العبارة المأثورة (وحسب المنايا أن يكُنّ أمانيا) واقعا يعاش ووصف دقيق للحال.

sudan-press.net :
زر الذهاب إلى الأعلى