آراء

تحت الشمس/ محمد خير عوض الله .. ورحل الشيخ أبوعزة

Advertisement

فجع السودان صباح اليوم الأربعاء 4 أغسطس 2021 بالنبأ المؤلم الشاق، برحيل أحد أبرز رموز العلم والحلم والزهد ونشر وتحفيظ القرآن..إنه الشيخ محمد أحمد عبدالله أبوالحسن المشهور ب(أبوعزة) الذي اختاره الله اليوم إلى جواره، بعد رحلة عمر عامرة، تجاوزت المئة وخمس سنوات.. بدأ حياته يافعاً مع القرآن، وأخذ العلم على يد استاذه ومعلمه، الشيخ عبدالله بن العباس زيدان، في شمال كردفان، ريفي أم روابة، وأخذ على يده طريق القوم، ليزيّن السلسلة الذهبية للطريقة السمانية، فانتفض، في العام 1944م، وهو في قوة الشباب، ليؤسس النواة لأكبر مجمع لتحفيظ القرآن في الشرق الاوسط، وهو لايملك مالاً ولا جاهاً، ولاسنداً ولاعضداً، سوى إيمان مطلق بنصر الله، فكانت خلاوى الشيخ أبوعزة في قرية أم عشرة، ريفي ودعشانا، بمنطقة أم روابة، بشمال كردفان. منذ العام 1944م جلس الشاب النحيف الحافظ، على كثبان الرمال في تلك البقاع النائية، يصارع الظروف القاسية، حيث تتباعد القرى، وتنعدم وسائل التواصل، إلا عبر الدواب، حتى القليل من المال، لايكون إلا لدى قلة في المدن، هكذا كانت الحياة في ذلك الريف البعيد، لكن صاحب الإرادة لاتثنيه ظروف، ولايتعذّر بعذر.. شمّر الشاب الصادق عن ساعديه، وجمع الحطب لتأسيس خلوة تحفيظ القرآن من القش، ولتكن البداية بطفلين أو ثلاثة، لعل الله ينظر في الصدق الذي يتزاحم في صدر الشاب الغيور، فيبارك في القليل فيكثره، وهو ما كان فعلاً و واقعاً، وهو مايذكرك بقصة سيدنا إبراهيم التي يرويها القرآن، حين أسكن ذريته، زوجته وطفلها إسماعيل، وسط جبال قاسية عند البيت المحرم، ليقيموا الصلاة، ويكونوا سبباً في صحوة روحية، ونهضة عمرانية، مستمرة في تصاعد إلى يوم الدين.. (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).. كلام أقرب إلى الخيال، لكن الصدق مع العزيمة، تستجلب التوفيق فيكون النجاح.. على ذات الهدي بدأ الشاب الصادق محمد أحمد ابوعزة في العام 1944م مشروعه مع الله، لتحفيظ الناس كلام الله.. وهل هناك أسمى وأنفع وأعظم من هذا المشروع؟ جلس الشيخ أبوعزة على الكثبان الوعرة، في محيط الرمل منذ عهد الإنجليز، 77 عاماً متواصلة، يقاسي حر الصيف وزمهرير الشتاء، تنتاشه (السفاية) وقد قطع صلته إلا بما ينفع ويخدم مشروعه، فجعل الله البركة في كل خطوة من خطواته المباركة، حتى أصبح مسيده أكبر مسيد، وأصبحت خلاويه أكبر خلاوى، وكان في الأعوام السابقة، يخرّج في (التخريج) الواحد أكثر من 5000 حافظ. عرف الشيخ أبوعزة بالزهد والورع والعصامية التي تشابه ماجاء في سير الأنبياء، لم تكن له صلات برجال المال والجاه، كان يعتبرهم مثل غيرهم من الناس، لافرق ولامزيّة، مهما علا بالجاه صاحبه، فهو عنده واي إنسان آخر سيّان، وأفضل مثال لذلك، حين جاءه الرئيس السابق عمر البشير. هبطت الطائرة، ودخل الموكب، والشيخ في (القرآنية) حسب برنامجه اليومي، يتابع مستوى التحفيظ، ومن توجيهاته ألا يأتيه أحد حين يكون في القرآنية، ولكن دخل عليه من يهمس في أذنه (سيدي الشيخ وصل الرئيس البشير والوالي أحمد هارون والوفد المرافق وهم في انتظارك) فكان ردّه حاسماً (لسة قدامنا كتير، إذا بينتظروا.. ضيفوهم، أو يرجعوا)..! فاضطّر رئيس الجمهورية والوالي والطاقم الرسمي أن يذعنوا لبرنامج الشيخ ابوعزة لابرنامجهم المرسوم!
تربطني علاقة صداقة بأحد الذين درسوا على يديه، مكث عنده سنوات التحفيظ، وبعد الحفظ، جلس عنده ثمانية أعوام ليخدمه، وهذا من أدب القوم، أهل التصوف، طلبت منه أن أزوره في رفقته، كان ذلك قبل عامين، قال لي: الآن وقت القيلولة، ستجد الشيخ وهو فوق المئة من عمره، نائماً على عنقريب على الحبل، في وسط المسيد، تحت الشجرة. بالفعل، دخلنا فوجدناه كما ذكر، ذهبنا نحن إلى (الصالون) و(السراير) حتى استيقظ وقابلناه بعد صلاة العصر وقد انحنى ظهره، حتى تقوّس، لكنه يواصل برنامجه الذي بدأه 1944م يوقظ المعلمين الساعة 3 قبل الفجر، ويتابع شؤون الطلاب، وأمور التحفيظ، واحتياجات (التكيّة) وغيرها، رغم وقوف (المقدمين) و (الحيران) وابنه الهميم الهمام خليفته شيخ عبدالله، لكن الشيخ أبوعزة لم يترك مابدأه في صباه وما أبرمه مع الله في خدمة كتابه وتحفيظ كلامه. وجدنا المسيد كما توقعت، الطلاب مثل النحل، ماشاء الله تبارك الله.
كانت صلات الشيخ أبوعزة بأهل التصوف كانت تربطه علاقة مودة ومحبة عميقة بالشيخ عبدالرحيم البرعي، وله زيارة سنوية لسيدي الشيخ التوم ود بانقا، وغيرها من صلات راسخة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. كان صاحب أسرار ووصل روحي عظيم، وكان مستجاب الدعاء، وكان يمثل عند العارفين الواصلين، كنزاً من كنوز الله في الأرض، ومصدراً من مصادر الجذب والعطاء، كان لايتكلم إلا بدعاء أو استفسار أو حديث مختصر ليس فيه ذكر أحد أو نحو ذلك مما يكون في الأنس المعتاد عند الناس.
بانتقال أبونا الشيخ أبوعزة، يكون السودان قد ودّع كنزاً، وخليفةً من خلفاء الله في الأرض، ورمزاً من رموز العلم وخدمة القرآن، وعلماً يحتفي به التاريخ وينزله مع أكابر العلماء ورجال النور المحمدي المعروفين بالزهد والورع وبذل النفس والوقت والجهد والروح لأجل الله وتعمير الأرواح. ولا أشك، انه، مع التوديع، تلتقيه الأرواح، وسيفيض من وصل عطائه الفوّاح، فما يدريك خاصية وعطاء مثل روح الشيخ أبوعزة؟! نعم.. يودّع السودان اليوم الجسد الطاهر، وتحلّق الروح في فضاءات لايعلمها إلا الله.
اللهم لاتحرمنا أجره، ولاتفتنا بعده، وأخلف على الأمة وعوّضها في فقده، وبارك في مسيده وخلاويه، اللهم زدها ولاتنقصها، ويسر لأهل الخير أن يسارعوا إلى حيث كان أبوعزة، ضاعف اللهم جهده مستمراً إلى يوم الدين، وبارك في أبنائه وذريته، وابنه عبدالله خليفته، وسائر طلابه وعارفي فضله، واشملنا بذلك يارب العالمين. آمين.

Advertisement

زر الذهاب إلى الأعلى