سياسةمنوعات

شارع الجرائد يسع الجميع.. الوزير فيصل محمد صالح يعود «للهاند باك»!!

نال شهادة الإعلام من ويلز بالمملكة المتحدة وحاز على جائزتي الشجاعة الصحفية وبطل حقوق الانسان

بقلم: محمد أحمد الدويخ

شواهد مماثلة:

لدى تسجيل بعض حلقات مسلسل عثمان دقنة (أمير الشرق) بالقاهرة كنت ضمن فريق العمل الاعلامي بين كوكبة من نجوم المسرح والاعلاميين من مصر والسودان.. حدث أن أدلى وزير الثقافة المصري حينها فاروق حسني عن أهمية القراءة وحكاية المقولة المتبادلة: (مصر تؤلف وبيروت تطبع والسودان يقرأ..) خلاصة ما قاله الوزير فاروق حسني أن منصبه وزيرا للثقافة لم يمنعه من الاطلاع على كل ما هو جديد تصدره المطابع.
ودار نقاش سوداني حينها حول عقلية المسئول السوداني عندما يتقلد منصبا رفيعا قد يحجبه ذلك حتى عن شعبه ورفاق دربه وزملائه بالمؤسسات..هذا ما أعني في خلاصة ما يميز الاعلامي الوزير الاستاذ فيصل محمد صالح (المتواضع) أنى وضعته الاقدار فقد التقيته بالامس الثلاثاء 21 /6 / 2022.م راجلا وسط الخرطوم ونو يحمل على كتفه شنطة (هاند باك) شأنه وعامة الصحفيين بشارع الجرائد وسط الخرطوم والذي أصبح له رمزيته المعتقة في ظل تقلص دور الصحافة الورقية التي كادت ان تنهار تماما في ظل الانسحاب المخيف لأبرز الناشرين وأصحاب رأس المال من الشركاء..فيصل محمد صالح كونه وزيرا متواضعا ..وشاعرا مجيدا تغنى له كبار المطربين السودانين منهم الفنان القامة مصطفى سيد احمد بأغنية (سفر السكوت)، وفرقة عقد الجلاد باغنية (يللا يا اولاد المدارس).بجانب كونها صحفي مصادم وحائز على ارفع جوائز الاعتراف الدولي بمهنيته وجرأته في الرأي والطرح بكل حياد.

الوزير فيصل يعود للهاند باك.. شارع الجرائد يسع الجميع..!

لم تكن هذه المرة الأولى التي اشرع فيها يراعي للكتابة عن الاستاذ الصحفي فيصل محمد صالح، فقد كتبت عنه ابان توليه وزارة الاعلام في أول تشكيل وزاري بعد اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة تحت عنوان (فيصل محمد صالح الوزير الشاعر ..)، بجانب كونه استاذي الذي نهلت منه الكثير وانا محرر بصحيفة الاضواء السودانية بان تولي الاستاذ فيصل محمد صالح رئاسة تحريرها خلفا للأستاذ الراحل كمال حسن بخيت عام 2004.م.. فقد كنا الأقرب للأستاذ فيصل الإداري والشاعر والانسان والصحفي وهو يتجاوز المألوف كونه رئيس تحرير يتواجد مع كافة المحررين بصالة التحرير والبوفيه ومجالس الأنس بشارع الجرائد باحساسه الشاعري النبيل.

وجدته بالامس الثلاثاء 21 / 6 / 2022.م قبالة مقر صحيفة الحراك السياسي ومكتب صحيفة الشرق الأوسط الذي يديره من الخرطوم الاستاذ أحمد يونس.. وعندما سألت الاستاذ فيصل عن أشعاره وقصائده القديم.. وهل تفرغ للكتابة بعد مغادرة وزارة الاعلام ..أكد أنه ترك الشعر وأضاع قوافيه ..بل فقد أغلب مخطوطاته الشعرية والنثرية..للاسف .. غير أنه لم ولن يسقط القلم وهم الكتابة في الشأن العام ..خاصة أن عموده الصحفي الراتب على مدى ثلاثين عاما او يزيد بعنوان (أفق بعيد) هو الذي عرف المجتمع السوداني بل والعالم بالكاتب الملتزم فيصل محمد صالح.

بطل حقوق الانسان وجائزة الشجاعة الصحفية:

لم يعد الاستاذ فيصل محمد صالح المولود بمدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة وسط السودان مطلع العام 1958م والجائزة على بكلاريوس الصحافة والاعلام من جامعة الأزهر بمصر والدبلوم العالي في الإعلام من جامعة الخرطوم والماجستير من جامعة (كارديف ويلز) بالمملكة المتحدة، لم يكن مجرد كاتب صحفي فحسب بل كان من أبرز حملة الاقلام الناشطين في المجتمع المدني وحقوق الإنسان والتعبير وحرية الصحافة بجانب كونه محاضرا بالعديد من الجامعات السودانية وله طلاب من كافة التيارات الفكرية والسياسية مما فرض عليه أن يكون من أكثر الصحافيين توازنا في رأيه وخطه الإعلامي الملتزم في مهنية عالية بعيدا عن المهاترات وتصفية الحسابات تعرفها قبيلة الإعلاميين جيدا . الأمر الذي أهله إلى نيل العديد من الجوائز الإقليمية والدولية الرفيعة منها جائزة بيتر ماكلر الامريكية للنزاهة والشجاعه الصحفية عام 2013.م باعتباره اول عربي أفريقي ينال هذه الجائزة بجانب حصوله على جائزة بطل حقوق الإنسان من بعثة الاتحاد الأوربي بالسودان عام 2013.م ..وهو في قمة معارضته لنظام البشير الحاكم حين منحه تلك الجائزة. مما جعل البعض يؤول الخطوة بأنها صنيعة أمريكية..!

الصحافي الثاني بمؤسسات السلطة الانتقالية بالسودان:

بعد تعيين الاستاذ فيصل محمد صالح وزيرا للإعلام في حكومة الدكتور عبدالله حمدوك يعد فيصل هو الصحافي الثاني الذي يتم تعيينه في مؤسسات السلطة الانتقالية بعد سقوط نظام البشير إلى جانب الاستاذ محمد الفكي سليمان الصحفي حينها بجريدة (العرب) الكويتية ..دارت الايام دورتها وتم اعتقال فيصل محمد صالح الوزير فجر 25 / 2021.م ضمن مجموعة من الوزراء على خلفية اعلان قرارات القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان.. وفي نهاية نوفمبر 2021.م تم إطلاق سراح فيصل دون أن تصطحبه صفته السابقة كونه وزيرا للإعلام ومستشار لرئيس مجلس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك..
غير أن تجربة الصحفي فيصل الاعلامية الكبيرة بالكتابة عبر كبريات الصحف العربية و المحلية منها جريدة ( الصحافة ) السودانية الأعرق إلى جانب عمله بصحيفة (الخرطوم) التي تصدر حينها من القاهرة في الفترة (1993_2001.م) وتقلده منصب رئيس تحرير صحيفة (الاضواء) السودانية (2004_2007.م) جعلت اسمه الابرز ببن كتاب الرأي بالصحافة السودانية أكثر من ربع قرن من الزمان.

لم تسقط عن ذاكرتي الصحفية الغضة حينها قبل (15) عاما مداعبات الزميل الصحفي محمد أحمد غلامابي للمصور المصري العجوز (عم بدر) وهو معجب جدا بطقوس القهوة وحياة ادروب الشرق في سنكات وجزيرة سنجنيب الساحرة ذات الشُعَب المرجانية البديعة.. وتتواصل روح عم بدر المرحة داخل باحة فندق الهيلتون ببورتسودان والذي مكثنا فيه اسبوعين من التبادل المعرفي والنقاش والتنوع حتى في ركوب السيارة التي تقلنا كل يوم من الفندق إلى اماكن التصوير وتشكيل الخانات بين رجل وامرأة.. بل بين اعلامي سوداني وممثلة مصرية أو العكس.

الوزير القارئ.. وبطولة عثمان دقنة:

أوردتُ في بداية التقرير حكاية الوزير القارئ فاروق عبدالعزيز حسني (84) عاما والذي ظل بمنصبه وزيرا للثقافة بمصر حتى يناير 2011.م باعتباره قارئ نهم على طريقة أنيس منصور (اقرأ كل شئ ..) إلى جانب كونه فنان تشكيلي ماهر .. حيث وجد التبادل الثقافي بين مصر والسودان حظه الأوفر في عهده وكان من أبرز تلك الفتوحات والانجازات الدرامية تنفيذ فكرة مسلسل (أمير الشرق..عثمان دقنة ) بواسطة مؤسسة الفداء للإنتاج الاعلامي السودانية عام 2007م، فقد حظيتُ بالمشاركة مع فريق العمل برفقة الزميل الاعلامي محمد أحمد غلامابي (صحيفة السوداني) والصحفي المصري خالد محمد علي (صحيفة الاسبوع) وأكثر من (15) سوداني آخر من الممثلين والمخرجين ومهندسي الديكور حيث حظيت ذاكرتنا الصحفية بالمتابعة الدقيقة لسيرة البطل السوداني عثمان أبوبكر دقنة (1840 _1926.م) احد أبرز أبطال الثورة المهدية الذين شاركوا في نضال الشعب السوداني ضد الاستعمار الانجليزي..كان فاروق حسني يعد إنتاج ذلك العمل التاريخي مم اهم الانجازات الدرامية في حقيبته الوزارية خاصة انه ضم نجوم الدراما بالبلدين وذلك بمشاركة أبرز النجوم منهم: الفنان جمال عبدالناصر، مي عبدالنبي، سميرة سعيد، وفاء الحكيم،ميار الببلاوي ومحمد السبع) وآخرين، ومن الجانب السوداني (المخرج المساعد عبادي محجوب، وجمال عبدالرحمن ، عزالدين العمدة، الطيب جيب الله، عوض شكسبير، صديق صالح، سنية المغربي،محمد عثمان حاج علي، الممثل غدير ميرغني، عبدالعظيم حمدنا الله، عطا شمس الدين،هدى مأمون،دفع الله حامد ومهندسة ديكور سودانية ماهرة لم استحضر اسمها.. حيث اكتمل العمل الفني الضخم من إخراج توفيق حمزة وعبادي محجوب. بمشاركة ومناصفة بين أبرز نجوم المسرح بالسودان ومصر.

فيصل الشاعر.. هل يتغلب على فيصل الكاتب؟

رغم المسيرة الصحفية الطويلة من سيرة الاستاذ فيصل محمد صالح المهنية ..يطل بهيا وجه فيصل الشاعر عبر الاشعار الغنائية التي وجدت حظها من الانتشار على قلتها ولكن تغنى بها أبرز من قدموا أنفسهم فنيا بالساحة الإبداعية بالسودان فقد تغنت له فرقة عقد الجلاد الغنائية برائعته (يللا يا أولاد المدارس)..تلك الأشياء التي يحفظها كافة ابناء الوطن على إيقاعات الوطن المتعددة :
يلا يا اولاد المدارس ..
في ربا السودان وسهله..
يللا شخبطوا في الكراريس..
اكتبوا الواجب وحلوا..
دينق زايد محمد أحمد ..
فأس وطورية وزراعة..
فاطمة زايد ميري أبقوا..
غنوة نيلية بشراعة ..
وردتين على يامبيو ..
وردة ثالتة علي رفاعة..
يا بلدنا وكلنا أخوان..
سودان بلدنا يي..
فيما تغنى الفنان مصطفى سيد أحمد برائعة الشاعر فيصل محمد صالح (سفر السكوت) والتي تمثل مفرداتها مدرسة خاصة على طريقة عاطف خيري والقدال والصادق الرضي وأزهري محمد على ونهج الدكتور طلال دفع الله عبدالعزيز الذي انجبته ذات الأرض الولود التي ترعرع فيها فيصل محمد صالح وهي مدينة الحصاحيصا التأريخ.
ومن أبرز مقاطع تلك الأغنية والتي يسميها البعض بأغنية:
(طوبى للرجال العصافير) :
(1)
طوبى للرجال العصافير ..
كلما حطّ طائرهم فوق غصن..
غنوا بشجي الكلام ..بديع الصور ..
وبؤساً لنا نحن الرجال الشجر ..
كلما جرفتنا شجون المنافى..
تهاوت جذور الكلام ..
جفت ينابيعنا..وأرهقتنا ليالى السفر
تؤرقنا الذكرى..توقِد نار المواجد فينا..
فيوجعنا الشوق فى صرة القلب..
يتأبى حتى السكون الذليل..
نخرج الآن من جلدنا..
ونخدش صمت السؤالات..
نركض عبر الطريق الطويل..
من أى ثقبٍ فى الحكايات جئنا..
ومن أى بابٍ فى السماواتِ..
كان إلتماس السكينة؟ ..
ومن أى ذنبٍ عصىٍ..
تعلم القلب سفر الرحيل..
الطيور قطعت رحلتها ..ثم عادت..
والأمانى إستكانت..والليالى ما عاد صمتها مستحيل..والنساء اللائى علمننا..
العشق فى زمانات النداء الجميل..
نسجن كعادتهن.. من
كذوب الروايات..ما يخلع الدفء عن جسد الحب..ثم تذوقن للحبيب البديل..يا صديق المسافات أركض..
ما عاد فى الحزن متسع..
لصفير الجراحات – قلبى وقلبك-
ولا صبر فى الأفق.. لإنتظار الخيول
كل المراكب تاهت..أنكرتنا الشموس..
والحبيبات خانت..لفظتنا البحار ..
فهل يستطيع البنفسج..أن يكون الكفيل ؟ ..أيوجعك الوصف ؟
آه.. من زمنٍ كنا ..
ننتقى فيه العبارات ..من فصوص المحار ..نتمشى فى مفاصل الشعر ..
تأخذنا كل ساعةٍ فى مدار ..
آه من آه ثم آه ..من كل ذاك الزمان النبيل..أصرخ الآن ..أو
أخرج الآن ..أو إنزف الآن ..أو
أكتم الشدو فى الفؤاد العليل…

ويطل السؤال الأهم:

هل يعود فيصل للكتابة ومعانقة الورق بشارع الجرائد مجددا ..؟ أم أن تقلده تلك الحقبة الوزارية تحرمه من حمل حقيبته (شنطة للهاند باق) المألوفة لدى كافة الصحفيين السودانيين وهي (حمل المتاع) الصحفي في ظل تهاوي أبرز المؤسسات الراعية للصحافة الورقية بالسودان وهروب الناشرين المقتدرين..؟

زر الذهاب إلى الأعلى