آراء

مامون حاتم الفنوب يكتب: الهجرة العكسية مكافحة للفقر وزيادة الانتاج

يقدر سكان السودان بحوالي ٤٤ مليون نسمة ، كما يقدر سكان العاصمة الخرطوم وحدها بحوالي ١٠ مليون نسمة اي قرابة ربع سكان السودان ، ويمكن من خلال هذه الارقام ملاحظة الخلل في توزيع السكان بشكل فوري ، ولعل انتشار السكان بشكل متساو او على الاقل متقارب في دولة ما دليل على غنى تلك الدولة وتحضرها. مثلا يوجد في العاصمة الامريكية واشنطون حوالي سبعمائة الف نسمة من اجمالي سكان يصل الى حوالي ٣٥٠ مليون ،وهنا يمكن ملاحظة الفرق على الفور.
عند الحديث عن اهم اسباب انتشار السكان بشكل متساو في الدولة فهو توفر الخدمات مثل التعليم والصحة والخدمات الحكومية ، ووجود الامن وفرص العمل . بالنسبة للسودان فقد ادى غياب هذه الخدمات في الارياف الى تكدس السكان في العاصمة الخرطوم والذي ادى بدوره الى عدة مشاكل منها الضغط على البنية التحتية ومؤسسات التعليم وغيرها من المرافق ، كما ساهم في انتشار الجريمة بسبب هذا الازدحام السكاني ، ورغم بساطة القول بان الحل في عودة السكان الى مناطقهم الاصلية او ما يعرف بالهجرة العكسية يكمن في توفير الخدمات السابقة الذكر في تلك المناطق الا ان تطبيق هذا الامر على ارض الواقع تواجهه الكثير من العقبات ، واهم هذه العقبات هي ضعف التمويل والفساد الاداري والمالي من قبل الدولة .
بخلاف المشاكل السابقة الذكر بالنسبة لتكدس السكان في العاصمة توجد ايضا مشكلة اقتصادية في غاية الاهمية وهي غياب فرص الانتاج الحقيقي والتركيز على التجارة والسمسرة وبعض الانشطة الخدمية ، تؤدي هذه المحدودية في خيارات الاستثمار الى بطء دورة راس المال بسبب زيادة حجم الاستثمار المطلوب عن اللزوم في العديد من الانشطة ،مثلا اذا كان احتياج السودان من الملابس ١٠٠ مليون دولار في العام وتم استيراد ملابس بضعف هذا المبلغ فان الملابس الباقية ستمكث في المخازن لفترات طويلة وربما تكون عرضة للتلف او السرقة خلال فترة تخزينها ، كل هذا كان من الممكن تجنبه لو كان الاقتصاد منوعا بما يكفي ليخلق انشطة استثمارية متعددة توظف راس المال بشكل فعال. وعلاقة هذا الامر ( فعالية استخدام راس المال )بالهجرة العكسية هو ان الهجرة العكسية تزيد من تنويع استخدام راس المال من خلال تشجيع الاستثمار في انشطة جديدة او زيادة كبيرة في الاستثمار في انشطة قائمة فعلا ، وذلك بسبب وفرة الاراضي الزراعية والثروة الحيوانية في ولايات السودان المختلفة.
مما سبق يبرز سؤال مهم وهو كيف يمكن تشجيع الهجرة العكسية ؟ الاجابة على هذا السؤال ببساطة تكمن في توفير الخدمات في مناطق الانتاج. وفي ظل الفشل المزمن للدولة في توفير هذه الخدمات بشكل مقبول خارج العاصمة منذ الاستقلال لابد من تدخل منظمات المجتمع المدني للقيام بهذا الامر.
مثلا في التعليم يمكن انشاء وادارة المدارس الاهلية ، كما يمكن تحسين وضع المدارس الحكومية القائمة بالفعل ، كما ذكرنا في مقال سابق ونفس الامر ينطبق على الصحة ، لكن تظل المشكلة قائمة في الخدمات التي يصعب تقديمها خارج اطار الدولة مثل الامن والبنية التحتية.
تساهم الهجرة العكسية ايضا في توفير نفقات مقدرة للاسرة تنفقها في العاصمة مثل المواصلات وايجار المسكن. والسبب في ذلك ان اغلب الناس له منزل في المنطقة التي اتى منها ، خصوصا ان كانت هجرته الى العاصمة قد تمت حديثا، كما ان قصر المسافات في الريف يجعل التنقل غالبا ما يكون على الاقدام مما يلغي الحاجة الى استخدام المواصلات او يضعفها مقارنة بالعاصمة.
اخيرا تجدر الاشارة الى ان التطور التقني ساهم في تسهيل الهجرة العكسية من المدن الى الريف ومناطق الانتاج ، على سبيل المثال يمكن استخدام الطاقة الشمسية في المناطق التي لا يصلها الامداد الكهربائي ، ايضا ساهم الانترنت في نشر التعليم والمعرفة خارج اطار مظلة التعليم النظامي ككل ، خصوصا مع مساعدة الرخص النسبي لاسعار وسائل الاتصال بالانترنت على انتشار الانترنت نفسه ، ويمكن لمنظمات المجتمع المدني ان تلعب دورها في الاستفادة من هذا التطور التقني مثلا من خلال العمل على ادخال الكهرباء الى القرى النائية بعد ان كان هذا العمل حكرا على الدولة ، وايضا من خلال ايجاد طرق لبث الوعي بكيفية استخدام التطور التقني لنشر المعرفة التي تساهم في تحقيق الازدهار الاقتصادي مثل انشاء مواقع متخصصة في الزراعة او الصناعات التحويلية وغيرها من المواقع. ويمكن القول ان هذه المساهمات موجودة بالفعل رغم انها غير منتشرة بالقدر المطلوب.

زر الذهاب إلى الأعلى