آراء

مامون حاتم الفنوب يكتب: التعليم وصناعة الشركات الكبيرة

عند الحديث عن الاقتصادات المزدهرة لا يمكننا تناول هذه الاقتصادات دون الحديث عن الشركات العملاقة التي كثيرا ما تشكل نسبة كبيرة من الناتج المحلي للدول التي توجد فيها هذه الشركات , فعلى سبيل المثال يشكل نصيب شركة سامسونج حوالي ٢٠٪؜ من الناتج المحلي لكوريا الجنوبية للعام ٢٠٢١, بينما كان نصيب شركة ابل من الناتج المحلي الامريكي حوالي ١٠٪؜ . ومن هذه الارقام يتضح لنا اهمية هذه الشركات في اقتصاد الدول التي تنتمي اليها. كما يتضح لنا اهمية وجود شركات عملاقة للاقتصاد ككل. في هذا المقال سنقف على الكيفية التي نشات بها هذه الشركات ووصلت الى هذا الحجم وعلاقة التعليم بهذا الامر.
لفهم الميزة التي يوفرها التعليم في انشاء الشركات لابد اولا من فهم الطرق التي يمكن تنشا بها هذه الشركات ، بشكل عام تنشا الشركات الكبيرة نتيجة تحول الشركات الفردية او العائلية الناجحة الى شركات مساهمة عامة ، ويكمن الفرق الاساسي بين الشركات العائلية او ما تعرف ايضا بشركات المساهمة الخاصة والشركات الكبيرة سابقة الذكر او ما تعرف بشركات المساهمة العامة في ان الاخيرة تستطيع ادراج اسهمها للتداول في سوق الاوراق المالية ما يتيح لها اصدار المزيد من الاسهم وقت الحاجة وبالتالي جمع التمويل. عند الحديث عن اصل شركات المساهمة العامة غالبا ما تنشا كشركات خاصة نجحت في المجال الذي تعمل فيه وبالتي تحولت الى شركة مساهمة عامة. وهنا يكون السؤال كيف تحقق هذا النجاح ؟
لتحقيق النجاح المالي بشكل عام وزيادة ثروة الملاك لابد من الحفاظ على نسب نمو عالية لعدة سنوات . ولتحقيق ذلك لابد اولا من تحقيق ارباح عالية. والارباح العالية بدورها تحتاج بشكل عام للقدرة على بيع السلعة او الخدمة بسعر اعلى بكثير من تكلفتها. لكن تحقيق ذلك في ارض الواقع يواجه بعقبة اساسية وهي المنافسة ، مثلا اذا قام احدهم بانشاء مصنع لصناعة البسكويت وقرر بيع صندوق البسكويت بخمسة جنيهات في حين ان هذا الصندوق يكلفه جنيهين فقط عندها سيتمكن من تخقيق ارباح عالية تمثل ١٥٠٪؜ من التكلفة ، لكنه سرعان ما سيواجه بمنافس جديد يقرر انه سيكتفي ببيع الصندوق باربعة جنيهات واخر يكتفي بثلاثة جنيهات ، بل ربما يظهر رابع يستطيع تخفيض التكلفة الى جنيه ونصف وبالتالي يبيع الصندوق بجنيهين وهكذا. وبالمحصلة سرعان ما يتحول هذا المجال ( اي صناعة البسكويت ) الى صناعة ذات ربحية معقولة تتيح لاصحاب المصانع العيش الكريم وربما بشيء من حسن الادارة تحقيق نمو معقول. لكن غالبا لن يتحول هذا المصنع الى شركة مساهمة عامة عملاقة مثل شركات التكنلوجيا التي تحدثنا عنها في بداية المقال. بمعنى اخر يمكن القول ان الافكار البسيطة في الاعمال غالبا لن تتحول لشركات عملاقة بسبب سهولة تقليدها من قبل الاخرين قبل ان تنمو بشكل كافي لتصبح شركة عملاقة. لذلك غالبا ما تكون الصناعات الخفيفة والمتوسطة في اقتصاد دولة ما مملوكة للعديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة، وغالبا ما تفشل في الوصول الى حجم مقنع يكون جاذبا للمستثمرين المحتملين من اجل ادراجها في البورصة. كما ان هذه الشركات غالبا ما تنتهي مع ملاكها او الجيل الذي يليهم كحد اقصى وبالتي تتفتت ملكية اصولها مثل الاراضي والمباني بين الورثة وهذا يعني تصفية هذه الشركات. وخلاصة كل ما سبق ان بساطة الافكار التي قامت عليها هذه الشركات سهلت وجود المنافسين وبالتالي اضعفت الربحية وحالت دون نمو هذه الشركات لتصبح شركات عملاقة.
اذا ضربنا مثلا اخر يختلف عن المثال السابق ، وفي هذا المثل قام مبرمج حاسوب تلقى تعليما متطورا في احدى الجامعات التكنلوجية العريقة بانشاء شركة برمجيات صغيرة ، ونتيجة لتفوق هذا المهندس نجح في تطوير برنامج متقدم ونجح في تسويقه حول العالم وجنى من ذلك ارباحا طائلة ، في هذه الحال غالبا ما يستمر هذا المهندس في جني هذه الارباح الطائلة لعدة سنوات كما سيقوم بادراج هذه الشركة في البورصة بعد نجاحها ، والاختلاف الرئيسي بين هذا المهندس وصاحب مصنع للبسكويت في المثال السابق ان فكرة هذا المهندس كانت معقدة بما يكفي للحد من المنافسة ليس فقط في الداخل بل حول العالم ايضا ، نتيجة لذلك ظل الطلب على منتج هذا المهندس مرتفعا لسنوات عديدة قبل ان ينجح منافس في تقديم منتج مماثل. والواقع ان هذا المهندس لم يكن ليتمكن من ذلك لولا تلقي التعليم العالي الذي اتاح له القدرة على ابتكار برنامجه المميز. لذلك نلاحظ ان شركات التقنية هي ابرز الشركات المدرجة في بورصات العالم المختلفة.
لكن هذا الامر لا يعني ان التعليم الجيد يمكن ان يخلق ميزة تستمر لعدة سنوات في صناعات اخرى مثل الاغذية، مثل شركات المشروبات الغازية العالمية ، اذ لا تزال تمتلك براءات اختراع لوصفات تم تطيرها من قبل صيادلة وخبراء تغذية تلقوا تعليما ممتازا. وهذا هو الاقرب لوضع السودان الحالي. اذ يمكن تركيز التعليم في مجال الاغذية والزراعة من اجل انتاج منتجات زراعية وحيوانية ذات جودة عالية ومعقدة نسبيا تكون قادرة على المنافسة في السوق العالمية.
مما سبق يتضح لنا ان التعليم يخلق حاجزا يحد من المنافسة ويؤخرها يستفيد منه الشخص المتعلم والمبتكر. وهذا هو السبب الرئيسي لامتلاك الدول المتقدمة لشركات عملاقة في حين تغيب تقريبا في الدول الاقل تطورا.

زر الذهاب إلى الأعلى