آراء

مامون حاتم الفنوب يكتب: التعليم العالي بين مطرقة الحكومة وسندان الطلاب

تداولت وسائل الاعلام المختلفة خبرا مفاده نية اساتذة الجامعات الدخول في اضراب نتيجة لعدم تلبية مطالبهم التي جرى الاتفاق عليها سابقا مع مجلسي السيادة والوزراء ، ومن اهم هذه المطالب تحسين الاجور وتحسين بيئة العمل. وهنا يبرز سؤال مهم: ماهو الحل الدائم للخروج من هذه الدوامة؟
قبل الاجابة على هذا السؤال يجب الاشارة الى أن تدني اجور اساتذة الجامعات مقارنة بتكاليف المعيشة ادى الى هجرة مكثفة لهم مما اثر سلبا على جودة العملية التعليمية ، حيث صار العمل في الجامعات الحكومية اشبه بالعمل الطوعي الذي لا يقوم به الا من كان له دخل ثابت من مصدر اخر مثل عقار مؤجر او مغترب يعينه من الخارج او عمل اخر. كما ان تدني مرتب الاستاذ الجامعي في الجامعات الحكومية ادى الى تدنيه ايضا في الجامعات الخاصة باعتبار ان اصحاب الجامعات الخاصة وهي جامعات هادفة للربح يستغلون الوضع في الجامعات الحكومية للضغط على الاساتذة لقبول مرتبات لا تكون افضل كثيرا من مرتبات نظرائهم في الجامعات الحكومية.
يرجع تدني مرتبات الاساتذة في الجامعات الحكومية حسب تقديري الى نظرة الحكومة للاستاذ الجامعي كموظف حكومي مثله مثل غيره رغم الفارق الكبير في التاهيل والمجهود الذي بذله الاستاذ للوصول لهذه المكانة، كما ان الحكومة على الارجح تعامل الجامعات كمصدر للايراد بمعنى انها تاخذ ايرادات الجامعات الحكومية وتدفع المرتبات وربما شيء بسيط لصيانة وتاهيل الجامعة في حين تقوم بصرف باقي هذه الايرادات في بنود اخرى قد لا تكون لها علاقة بالعملية التعليمية. عليه فان الحل الجذري لهذه المشكلة يكمن في تحويل الجامعات الحكومية الى جامعات اهلية غير ربحية ، والفرق الاساسي بين هذا التحول والوضع الحالي للجامعات الحكومية يكمن في ان الجامعات الاهلية غير الربحية تملك ادارة مستقلة وحرية كاملة للتصرف في جميع مواردها ، حيث يمكنها تحديد موارد الصرف المختلفة مثل اجور الاساتذة والعاملين في الجامعة ومن ثم تقرر الادارة كيفية تغطية هذه المنصرفات غالبا من الرسوم الدراسية بشكل اساسي والتبرعات كشيء مساعد.
تجدر الاشارة الى انه لا يمكن الحديث عن مشكلة الجامعات دون الحديث عن مشكلة اخرى تتفجر بين الحين والاخر وهي مشكلة الرسوم الجامعية حيث لا يمر عام دراسي الا ويحدث خلاف بين طلاب احدى الجامعات خاصة الحكومية وادارة الجامعة بشأن الرسوم الدراسية. من خلال حديثي مع عدد من الطلاب لاحظت ان هذا النقاش غالبا ما يفتقر للنضج من قبل الطلاب ، حيث يندر ( هذا ان وجد ) ان يكون الحديث مع ادارة الجامعة باسلوب علمي يستند الى الارقام بل غالبا ما يكون جزافيا يعتمد على الضغط لتحقيق اكبر مكاسب دون مراعاة الحقيقة البسيطة المتمثلة في ان التعليم مثله مثل باقي الخدمات المنتجة يحتاج الى تمويل لمقابلة المصاريف المختلفة للجامعات وغالبا ما تكون الرسوم الدراسية هي المصدر الرئيسي لهذا التمويل. من ناحية اخرى فان التعليم العالي وذلك بخلاف التعليم الاساسي والتعليم العام ليس الزاميا لذلك نجد معظم دول العالم لا تتدخل في التعليم العالي بشكل مباشر. والواقع ان النظرة للتعليم العالي كحق مثله مثل التعليم الاساسي والتعليم العام ادى الى تشوه اقتصادي واجتماعي تمثل في ان هذه النظرة وما تبعها من ترخيص او مجانية التعليم العالي ادى الى تدني نوعية هذا التعليم. كما ادى الى تخريج حملة شهادات عليا اكبر من احتياج سوق العمل. اجتماعيا بات المجتمع ( خاصة في العاصمة) يضغط على طلاب الشهادة الثانوية كي يلتحقوا بالتعليم الجامعي فقط من اجل تحقيق مظهر اجتماعي باعتبارهم خريجي جامعات. نتج عن ذلك فجوة كبيرة في التعليم الفني وما تبع ذلك من عزوف عن العمل الفني والاصرار على الوظيفة المكتبية ، وساهم هذا في انخفاض الانتاج في الاقتصاد ككل. باختصار ادت السهولة النسبية للالتحاق بالجامعات الى تشوه في سوق العمل تمدد فيه الطلب على الوظائف المكتبية غير المتاحة على حساب الوظائف الفنية التي يوجد فيها شح كبير. لذلك في تقديري لن تساهم الرسوم الجامعية التي ستجعل الالتحاق بالجامعة اكثر صعوبة فقط في تمويل العملية التعليمية بل ستساهم ايضا في اصلاح الخلل في سوق العمل من خلال تشجيع الطلاب للالتحاق بالتعليم الفني.
من ناحية اخرى يجب على الطلاب تبني اتجاهات جديدة وحديثة في التعليم العالي مثل الشهادات المهنية العالمية التي لا تتيح لهم فقط العمل في السودان وانما ايضا خارج السودان مثل الزمالات المحاسبية وشهادات تقنية المعلومات التي تصدرها شركات التكنلوجيا مثل مايكروسوفت والتي لا تكون الشهادة الجامعية من متطلباتها في كثير من الاحيان كما انها مصممة في الغالب من اجل الدراسة والعمل في نفس الوقت. من ناحية اخرى يجب ان تنتشر المعاهد المتخصصة مثل دراسة انتاج محاصيل معينة باحدث التقنيات التي تخفض التكلفة وتزيد الانتاجية ، او معاهد متخصصة في بعض الصناعات الغذائية وهكذا. بعبارة اخرى يجب ان ينظر الطالب (ما لم يكن له توجه بحثي واكاديمي )الى التعليم العالي كوسيلة للعمل لا كوسيلة للوجاهة الاجتماعية.
من خلال ما سبق يتضح لنا ان حل مشكلة اساتذة الجامعات يكمن في اخراج ايرادات الجامعات الحكومية من وزارة المالية وان تكون تحت تصرف ادارة الجامعات بشكل كامل ، كما يجب على الطلاب ادراك ان التعليم الجامعي الجيد يستحيل من دون رسوم جامعية تغطي على الاقل معظم منصرفات العملية التعليمية ان لم يكن كلها، وان التعليم الفني والشهادات المتخصصة هي البديل لمن لا يستطيع تحمل مصاريف التعليم الجامعي ، بل انها كثيرا ما تكون الخيار الافضل نتيجة لتوفير الوقت والجهد والمال.

زر الذهاب إلى الأعلى