آراء

بشفافية – حيدر المكاشفي.. فوبيا فض الإعتصام

لم يكن عمرها يتعدى الخمس سنوات، عندما سمعت الطفلة الصغيرة صرخة عالية، لتلتفت إلى مصدر الصوت، وتكتشف أن سيارة دهست قطة صغيرة وتناثرت أشلاؤها، تلبستها حالة رعب شديد، فصرخت وبكت وتكورت داخل حضن أبيها، لقد تبدل شيئا ما بتكوين الطفلة لازمها طول حياتها، اذ ارتبط مشهد تلك القطة في عقلها بـكائن خرافي، وباتت تخشى التعرض لهذا المشهد الدامي ولا تطيق استعادته، ولا حتى سماع أي كلام بخصوصه، ليتحول خوفها إلى رهاب، لازمت تفاصيله حياتها، لقد صارت البنت مريضة ب(فوبيا)..ما تعرضت له هذه الطفلة هو أحد أنواع الفوبياPhobia) ) الكثيرة، مثل فوبيا ركوب الطائرات وصعود الأماكن المرتفعة ومواجهة الأفاعي والخوف من الموت والظلام الخ، إلا أن هناك أنواعا من الفوبيا غريبة جدا ومنه ما اسميه (فوبيا الاعتصام) الذي انا بصدده، فالفوبيا أو الخوف المرضي، هي مرض نفسي يجعل المريض في حالة خوف مستمرة من مواقف ونشاطات لاشخاص واجسام معينة، ويكون المريض غير مدرك تماما ان الخوف الذي يصيبه غير منطقي ولايمكن التخلص منه، مما يجعله قلق وغير متزن بتصرفاته، ويظل فى حالة خوف متواصل من مواقف محددة يخشى حدوثها أو حتى التفكير فيها، بما يجعل المصاب بالفوبيا يعيش حالة شديدة الحساسية تجاه تلك المواقف، ولا يستطيع مريض الفوبيا التخلص منه بدون الخضوع لعلاج نفسي لدى طبيب متخصص..
ومثل هذا الذي حدث لتلك الطفلة التي أصيبت بفوبيا القطة القتيلة، وصارت لا تحتمل التعرض لذاك المشهد الدموي، هو تماما ما أصاب من يصدرون هذه القرارات المتوالية والمتكررة باغلاق كل الطرق المؤدية الى محيط القيادة العامة للجيش، والمعروف أن محيط القيادة شهد أبشع وأفظع عملية دهس وقتل لأكثر من مئة شاب من شباب الثورة، الذين استعصموا بأعداد مهولة بالقيادة ونفذوا في محيطها الاعتصام الشهير، بحسبان انهم فى حماية جيشهم الوطني، وبقية القصة المفزعة معروفة عندما (حدس ما حدس)..ففي صباح الأمس (الثلاثاء) تفاجأ الراكبة والسابلة المتجهين الى داخل الخرطوم وخاصة من الجهة الشرقية، باجراءات امنية مكثفة اتخذتها القوات المسلحة بمحيط القيادة العامة، واغلاق كامل بالحواجز لكافة الطرق المؤدية اليها، وتم نشر اعداد من القوات بامتداد تلك الطرق، وكالعادة كان التبرير لهذا الاجراء الذي خنق الحركة في العاصمة المختنقة مروريا اصلا، هو انه اجراء احترازي تم اللجؤ اليه لمنع أي محتجين من الوصول الى محيط القيادة واستعادة مشهد الاعتصام، فعقب أي اعلان عن احتجاجات وتظاهرات تتم الدعوة لها، تسارع القيادة العامة الى خنق الخرطوم مروريا باغلاق عدد من الطرق الحيوية، وقد تكرر هذا المشهد بعدد الدعوات التي انطلقت لتنظيم تظاهرات أو وقفات احتجاجية وما اكثرها، والمرجح أن هذا المشهد غير الحضاري سيستمر كلما كانت هناك دعوة لتظاهرة حتى لو لم تكن لها علاقة بالمكون العسكري، ولا تفسير لمثل هذا السلوك غير أنه (فوبيا فض الاعتصام)..

الجريدة

Advertisement

sudan-press.net :
زر الذهاب إلى الأعلى