آراء

محمد النور حامد يكتب: الانتخابات الحرة والنزيهة.. التجارب السودانية وملاءمتها مع الدعائم الدولية

Advertisement

خلال الحلقة السابقة تطرقنا لأهم مكونات ودعائم الانتخابات الحرة والنزيهة والمواصفات المفروض توفرها للحكم على عدالة ونزاهة الانتخابات بالنسبة لكل تجربة ونوع القيود المسموح بإدخالها للمحافظة على خصوصية كل تجربة.

Advertisement

وفي هذه الحلقة سوف نقف عند التجارب الانتخابية التي جرت بالسودان للوقوف على مدى مواءمتها مع النموذج المشار اليه في الحقلة الاولى علما بان السودان يعتبر من اثرى الدول في التجارب الانتخابية حيث اجريت في السودان عل مدى الـ60 عاما الماضية اكثر من 10 انتخابات برلمانية بالإضافة للعديد من الانتخابات المحلية والفئوية في ظل 7 دساتير مؤقتة و10 قوانين.

1- النظام والقانون الانتخابي:
عبر الحقب المختلفة ( تعددية وشمولية وعسكرية) غلب على التجربة السودانية نظام الاغلبية المطلقة مع استخدام انماط من النظم المختلفة من مختلطة الى نظام نسبي بغرض تحقيق الموازنات وتمثيل الاقليات واتاحة الفرصة للأحزاب الصغيرة للتمثيل داخل البرلمان .
وعلى الرغم من الكم الهائل من التجارب الانتخابية الا ان الواقع المعاش يؤكد بان المردود الانتخابي على مستوى السياسة لم يكن في المستوى المطلوب حيث عجزت كل الحقب من تحقيق اهداف ما بعد الاستقلال من تنمية واستقرار وقد اعتبر الكثير من المراقبين كثيرا أن ذلك يؤمن على أن نجاح أو عدم نجاح التجارب الانتخابية يعزى للبيئة المحيطة والمتغيرات السياسية والاقتصادية ولا يعزى للنظم والتشريعات.

2- إدارة الانتخابات:
لقد تأثر هذا المكون بالتجربة البريطانية كثيراً حيث ظلت تدار الانتخابات فيها بواسطة لجان مؤقتة برئاسة قاضي تساعده سكرتارية من الحكومية المحلية يشرف عليها مدير تنفيذي وقد ظلت تبيعة ادارة الانتخابات تستند تارة لوزارة الداخلية وتارة أخرى لمجلس الوزراء او المجلس العسكري.
وعلى الرغم من اجماع المراقبين بان ادارات الانتخابات ظلت تؤدي مهامها بقدر معقول من الحيدة والنزاهة الا ان استمرار تلك الوزارات ككيانات مؤقتة فاقديه للشخصية الاعتبارية جعلها عرضة دوما للتغول السياسي وعلى الرغم من ان نظام الانقاذ قد رفع الادارة لمصاف المؤسسات السيادية ومنحها سلطات دائمة واصيلة الا ان الواقع قد اكد عدم تغيير الحال خاصة وان السودان حينها قد تعرض لضغوطات دولية ان نظام الانقاذ قد استند لإدارة الانتخابات مهام غير مألوفة بما في ذلك الاشراف على الحملات الانتخابية والتكفل بتسجيل الناخبين واتخاذ التدابير المتعلقة ــ الوفاق كما كان لغياب المنافسة بين المرشحين الاثر الكبير في التقليل من فعالية التجربة.

3- السجل الانتخابي:
لقد غلب على السجل الانتخابي النهج الطوعي ( الاختياري ) حيث تقع مسئولية السجل على الناخب والمرشح والحزب ومن ناحية عملية ارتبط السجل بزمن ضيق في ظل حملات انتخابية تكتنفها منافسة حادة ويشوبها العديد من الاساليب الفاسدة. وفي بعض الاحيان تكون السجلات عرضة لسوء الاستغلال والغش والتزوير. ويزيد الأمر تعقيداً في مناطق انخراط الامن وانعدام الحس الوطني وقصور القوانين وخلوها من العقوبات الرادعة.

4- توزيع الدوائر وتخصيص المقاعد:
لقد تأثرت التجربة السودانية في بداياتها بالتجربة البريطانية من حيث اعتماد الثقل السكاني كمعمار اساسي مع مراعاة بعض العوامل الاخرى مثل الحدود الادارية والحواجز الطبيعية. وابان فترة الانقاذ تبنى المشرع النظام (الفرنسي) والذي يحدد هامش 20% ( زائد او ناقص) المعيار السكاني لاستيعاب العوامل الاخرى.

5- الترشيح والاحزاب والمال:
خلال معظم الحقب ( التعددية ) لم تخرج شروط الترشيح عن المألوف خلافا عما حدث في نظام مايو ونظام الانقاذ حيث اشترط نظام مايو على كل مرشح الحصول على موافقة الحزب ( الاتحادي الاشتراكي) كما ابتكر نظام الانقاذ مبدأ تزكية النفس والوفاق بين المرشحين بغرض تقليل عدد المرشحين وتقليل حدة الصراع.
تفيد الدراسات بان الشروط الميسرة بالنسبة للترشح وتكوين الاحزاب قد ساهمت في زيادة عدد المرشحين والاحزاب على السواء فخلال انتخابات 1953 بلغ عدد الاحزاب 5 احزاب فقط بينما قفز العدد في 1997 الى 71 حزبا وقد ادت الشروط الميسرة ايضا تفلت الاعضاء وتفشى ظاهرة الانشقاق داخل الاحزاب وقد ادى كل ذلك لإضعاف القوى الصوتية للأحزاب وقلل من الانتماء واضعف الحس الوطني وقد ترتب على ذلك كله تعدد وتنامي الحركات الانفصالية والمسلحة وقد خلف التشريعات جميعها من أي اجراءات لتنظيم عملية تمويل الانتخابات ومن ناحية نظرية تدعي الاحزاب بانها تمول الانتخابات من التبرعات والاشتراكات التي يلزم بها اعضاء الحزب الا ان الواقع المعاش قد اكد بان العديد من الاحزاب كانت تلجأ لأساليب مشروعة وغير مشروعة لتمويل حملاتها الانتخابية بما في ذلك الاتجار في الرخص التجارية والمواد التموينية والاراضي وفي احيان كثيرة حامت شبهات عدة حول بعض القيادات الحزبية باستلام اموال من الخارج او الاتجار في سلع محرمة دولياً.

6- الحملات الانتخابية:
تفيد العديد من التقارير أن الحملات الانتخابية ابان التعدديات لم تخلو من مظاهر التعسف والاسفاف والكثير من مظاهر العنف واتباع أساليب الترهيب والترغيب والابتزاز مع مقدرة عالية في التحايل على القوانين .
وقد ساهمت كل تلك العوامل في تردي الأوضاع ابان الحملات الانتخابية في ظل التعدديات.
أما بالنسبة للأنظمة الشمولية (مايو الانقاذ) فإن عدم المنافسة قد خلف كثيراً من الآثار السالبة لتك المظاهر إلا أنه وذات الوقت فقد حال دون وجود معارضة تساهم في تطوير الأداء وتداول السلطة لسلام.

7- الاقتراع وفرز الأصوات واعلان النتيجة:
تفيد الكثير من الدراسات أن التجربة السودانية عموماً بالنسبة لهذا المكون قد سجلت تفوقاً ملحوظاً على الكثير من التجارب التي تعيش ذات الظروف.
ويرجع الفصل في ذلك حسب رأي المراقبين لوجود العديد من الكوادر المؤهلة والمقتدرة مع المام المواطنين التام بمهامهم خلال مراحل الانتخاب والترشيح.

8- الطعون وتسوية المنازعات:
يرى العديد من المراقبين أن مقارنة هذا المكون يجعل التجربة السودانية أفضل بكثير من تجارب الدول ذات الظروف المشابهة وتتصف عملية النظر في الطعون وتسوية المنازعات بالموضوعية ويتم تنفيذها العدالة.
وقد شهد العالم في الآونة الأخيرة الكثير من التجارب كيف أن التظلمات والمنازعات قد تتصعد لتضر بالتجربة الانتخابية عموما وقد يترتب عنها تأجيل النتيجة.

9- الرقابة:
لقد خبر السودان منذ 1953 كل أنواع الرقابة المحلية والحكومية والفردية والجماعية ومراقبة الأمم المحدد حيث ترأس لجنة انتخابات السودان في 1953 الخبير الهندي (سوكامارسن) .

وخلال انتخابات 1997 تمت تغطية الانتخابات بواسطة طيف كبير من المراقبين كما تمت تغطيتها بواسطة (400) وكالة أنباء وقناة فضائية كما شاركت الامم المتحدة بوفد رفيع المستوى وكذلك منظمة الأمم الأفريقية والجامعة العربية والكثير من الدبلوماسيين والخبراء
وعلى المستوى الشخصي فقد وقفت في رصد كل ما توصل له هذا الكم الهائل من المراقبين ولا يتسع الحيز للتفصيل .

وقد أفردت دراسة متكاملة للرقابة نسبة لأهميتها للانتخابات المقبلة 2024م.

الأستاذ/ محمد النور حامد
خبير وطني في الإدارة والإنتخابات

Advertisement

زر الذهاب إلى الأعلى