بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وهدأت الاحوال، وعادت أم لينة من النزوح إلى منزلهم الكائن في وسط الخرطوم الجريحة، اكتشفت أن منزلهم قد سرق باكمله من قبل المرتزقة والاوباش، صحيح أن المنزل كان لا يزال يحمل آثار الحرب، وأن الجدران كانت مثقوبة، والأثاث مفقود، إلا انها قالت في نفسها فلنبدأ بالأشياء البسيطة لأعاد بعض الألفة والأمان، فطلبت من زوجها أن يشتري لهم مكواة وخلاط، كانت تعتقد أن المكواة والخلاط أكثر من مجرد أدوات، كانت بالنسبة لها رمزاً لبداية جديدة، لعودة الحياة إلى منزل سرقته الحرب، وإلى قلوب أرهقتها الأوجاع. ذهب زوجها للسوق وسأل صاحب المتجر الأول قائلاً: اريد مكواة وخلاط من نوع جيد، فتأسف التاجر وقال له ربما تجدها عند جارنا، فذهب التاجر الثاني، ولم تكن بمتجره أي خلاطات أو مكواة، فسأل التاجر: هل لديكم مكواة وخلاط من نوع جيد. فقال: نعم لدينا مكواة ماركة وخلاطة ماركة وامكث هنا وسآتي لك بهما. جلس أبو لينة، في انتظار التاجر، وقلبه يعتصره الألم لما مرت به عائلته، فالحرب لم تترك شيئاً إلا وعبثت به، حتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية أصبحت رفاهية يصعب الحصول عليها. بعد دقائق بدت وكأنها دهراً، عاد التاجر وهو يحمل صندوقين صغيرين وهو يردد: تفضل يا أخي، هذه هي المكواة والخلاط الذين طلبتهما، وبأفضل جودة ممكنة. تأمل الزوج الصندوقين، وشعر بغصة في حلقه، بعد أن سأل الزوج التاجر، هل هذه بضاعتك أم بضاعة تاجر آخر اتيت بها للتو من عنده، فقال له التاجر: ولم تسأل، أليس هي الأشياء التي طلبتها، فقال له الزوج ولكنك تحاول أن تبيع ما لا تملكه وتزيد عليه، فقال التاجر: وماذا في ذلك فكلنا نفعل ذلك في هذا السوق، حيث يقوم أحدنا بعرض سعر معين لبضاعته، ثم نقوم نحن بتسويقها بسعر أعلى، وعندما يشتريها أحد من عندي أقوم بدفع حق مالك البضاعة له، وأخذ الباقي كربح لي أنا، فقال له الزوج: ولهذا جاءت الحرب، ولهذا جاءت الحرب!!. فاندهش التاجر وعقد حاجبيه من الدهشة وهو يردد: وماذا في ذلك، أهو حرام؟ فقال الزوج: نعم يحرم عليك بيع ما لا تملك، وهو محرم ومنهي عنه شرعاً، فلا يجوز لك فعل ذلك، لما رواه أصحاب السنن وصححه الألباني عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك. والبديل الشرعي عنه أن تكون سمساراً لصاحب السلعة، فتتفق معه على بيع سلعته مقابل أجر معلوم، أو يقول لك: بعها بكذا فما زاد فهو لك. قال التاجر للزوج: جزاك الله خيرا يا أخي الكريم، ولكن اليس السمسرة حرام أيضاً: فقال أبو لينة للتاجر: إن السمسرة جائزة في الجملة، وهي: البحث للبائع عن من يشتري سلعته، والبحث للمشتري عن من يبيع له حاجته، والوساطة بينهما، وتسهيل عملية البيع، فلا شيء فيه إذاً ما دام البيع تم برضا المشتري، ولم يحصل له غبن كبير في الثمن عرفاً، ولم يكن بالسلعة عيب أخفاه السمسار أو أخفيته أنت على المشتري، لأن البيع بهذه الصورة لا غبن فيه، ولا تدليس، ولا جهالة، ولا غرر، فبقي على أصل إباحته، كما في قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (سورة البقرة الآية:275). تقدم التاجر بالشكر الجزيل لأبي لينة وهو يردد: رغم أن الحرب قد دمرت الكثير، ولكنها لن تستطع أن تدمر روح الايمان والتقوى في قلوب شعب السودان، قلوبٍ تتوق بحق إلى عبادة الخالق وحده سبحانه وتعالى على بصيرة.

