كانت شمس الظهيرة الحارقة تلفح وجه أبو هبة الله وهو يقود سيارته التي عادت إليه بحمد لله وتوفيقه، ومن ثم بجهود رجال الشرطة الخلص الذين سهروا الليالي من أجل اعادة الامور إلى نصابها في العاصمة الخرطوم، وجدها قد نهبت من كل شئ من قبل المرتزقة وحاول جاهداً اعادة جزء من تلك الأشياء رغم ضعف الميزانية، فترجل أمام محل لقطع غيار السيارات، لم تكن هذه المرة الأولى التي يجد فيها نفسه في موقف كهذا؛ فبطارية سيارته القديمة أبت أن تعاونه على بدء يوم جديد، ومع تنهيدة استسلام، فتح باب محل البطاريات، للمرة الثانية فقد حضر بالأمس واستفسر عن سعر البطارية الجديدة، متوقعاً أن تكون مهمة شراء بطارية جديدة مجرد إجراء روتيني. استقبله التاجر بابتسامة باهتة، وبعد استفساره عن نوع البطارية المطلوبة، اخبره أبو هبة الله انها نفس البطارية التي طلبها منه قبل يومين فقط، فذهب التاجر ليحضرها له حسب السعر الذي اعلنه له في ذلك التاريخ. عادت الابتسامة لتختفي تماماً من وجه أبو هبة الله عندما أبلغه التاجر بالسعر الجديد بفرق سعر كبير. فقل له أبو هبة الله بدهشة محاولًا استيعاب الأمر: لكن يا أخي، هذا السعر أعلى بكثير مما كان عليه قبل يومين!. رد التاجر ببرود، وكأنها إجابة يحفظها عن ظهر قلب: “يا أستاذ، سعر الدولار مرتفع، وكل شيء مربوط بالدولار”. تلك الجملة، “كل شيء مربوط بالدولار”، أصبحت كاللازمة المزعجة التي تتردد على مسامع المواطنين في كل محل، وفي كل صفقة. لم يكن أبو هبة الله يشتري سلعة مستوردة فاخرة، بل بطارية لسيارته، قطعة أساسية لضمان استمرار حياته اليومية. فكيف لارتفاع سعر عملة أجنبية أن يؤثر بهذا الشكل المباشر على قطع الغيار التي قد تكون مصنعة محلياً أو مرت عليها فترة طويلة في المخازن؟ لم يكن هذا مجرد حدث عابر بالنسبة لأبي هبة الله، بل كان انعكاساً لصورة أوسع تعيشها الكثير من المجتمعات. ففي كل مرة يتقلب فيها سعر العملة الأجنبية، يرتفع معه شبح الغلاء ليضرب جيوب المواطنين بشكل مباشر. يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن تقلبات لا يد له فيها، ولا يملك سوى القبول بالأمر الواقع أو البحث عن بدائل أقل جودة، إن وجدت. هذا الموقف يطرح أسئلة جوهرية حول آليات التسعير والرقابة في الأسواق. هل كل هذا الارتفاع مبرر بالكامل؟ أم أن هناك من يستغل هذه الظروف لزيادة الأرباح على حساب المستهلك الذي يجد نفسه في مأزق، مضطراً لدفع أي ثمن لضمان استمرارية حياته؟ فبطارية السيارة ليست رفاهية، بل ضرورة. غادر أبو هبة الله محل التاجر ببطارية جديدة، وقلب مثقل بالهموم. لم يكن الأمر مجرد دفعه للمزيد من المال، بل كان شعوراً بالعجز أمام نظام اقتصادي يبدو أنه يلقي بكل أعبائه على كاهل الفرد. كانت البطارية الجديدة تعمل، لكنها كانت تذكر أبو هبة الله باستمرار بأن ثمن استقرار العملة يمكن أن يكون باهظًا جداً، ويدفعه المواطن البسيط من عرق جبينه، دون أن يكون له حول ولا قوة. هذه حيرة الشارع، ولسان حاله يقول: متى تتوقف هذه الدوامة، ومتى يمكن أن نشتري حاجياتنا دون أن يكون “الدولار” حاضراً في كل فاتورة؟
وقفة: لا حرج عليك أيها التاجر الصديق في بيع سلعة ما ارتفع سعرها بثمنها الجديد، وليس في الشريعة الإسلامية تحديد معين للربح، إلا أن يصل إلى حد الجشع واستغلال حاجة الفقراء والغبن الفاحش، وينبغي عليك التخلق بالسماحة والقناعة، وأن تحب لأخيك المسلم ما تحبه لنفسك، ففي ذلك خير وبركة، ويستحب للمرء أن يكون سمحاً في بيعه وشرائه، لقوله صلى الله عليه وسلم: رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى (رواه البخاري).

